"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

لماذا نخاف الحديث عن الموت؟ كيف جعلتنا الحياة الحديثة «أميّين» في الحزن

نيوزاليست
الاثنين، 5 أكتوبر 2026

لماذا نخاف الحديث عن الموت؟ كيف جعلتنا الحياة الحديثة «أميّين» في الحزن

لم يعد الموت حاضراً في حياتنا اليومية كما كان في الماضي؛ فقد انتقل كثير من الناس إلى المستشفيات ودور الرعاية، فيما أصبح الحزن تجربة يتوقع المجتمع من صاحبها أن يتجاوزها سريعاً. لكن خبراء في الحداد والرعاية التلطيفية والفلسفة يحذرون من أن إبعاد الموت عن حياتنا لم يجعلنا أقل خوفاً منه، بل جعلنا أقل قدرة على فهمه والتحدث عنه. وربما تكون المفارقة أن مواجهة حقيقة الموت لا تقود بالضرورة إلى التشاؤم، بل قد تساعدنا على فهم ما يهم فعلاً، وتقدير الوقت والعلاقات والحياة نفسها بصورة أعمق.

نحن نعرف جميعاً أننا سنموت. ونعرف أيضاً أن الأشخاص الذين نحبهم سيموتون. فلماذا يبدو الحديث عن الموت، بالنسبة إلى كثيرين منا، أشبه بكسر قاعدة اجتماعية غير مكتوبة؟

قد تكون الإجابة أن الموت لم يعد حاضراً في حياتنا كما كان في السابق.

في المجتمعات الحديثة، أصبح الموت في كثير من الأحيان حدثاً يحدث بعيداً عن البيت: في المستشفيات، أو دور الرعاية، أو المؤسسات المتخصصة. ومع انتقال المرض والموت تدريجياً خارج المجال المنزلي، أصبح الإنسان المعاصر أقل احتكاكاً بهذه التجربة، وأقل تدريباً على الحديث عنها وعلى التعامل مع الحزن الذي يأتي بعدها.

هذه هي الفكرة المركزية التي يناقشها تحقيق إنساني نشرته صحيفة The Guardian ضمن سلسلة بعنوان Memento mori، مستنداً إلى آراء أكثر من عشرة خبراء في الحداد والموت والرعاية التلطيفية والفلسفة والممارسات الروحية.

والعبارة الأكثر لفتاً جاءت من الباحثة في المرونة النفسية والحداد لوسي هون: نحن نعيش في مجتمعات «أمية في الحزن» و«خائفة من الحزن».

المقصود ليس أننا لا نحزن.

بل أننا، في كثير من الأحيان، لا نعرف كيف نحزن، ولا كيف نتحدث مع شخص يحزن، ولا كيف نحتمل وجود الموت من دون أن نحاول إخفاءه أو اختصاره أو الهروب منه.

الموت الذي خرج من البيت

كان الموت، في معظم التاريخ البشري، أكثر قرباً من الحياة اليومية.

كان المرضى يموتون في منازلهم، وكانت العائلات تشارك في رعاية المحتضرين، وكان الأطفال والكبار يرون الموت باعتباره جزءاً من دورة الحياة، لا حدثاً غريباً يحدث خلف أبواب المستشفيات.

أما في العصر الحديث، فقد انتقل جزء كبير من عملية الموت إلى المؤسسات الطبية.

وتشير المادة إلى أن هذا التحول تسارع خلال القرن العشرين؛ ففي الولايات المتحدة، مثلاً، كان نحو ثلثي الوفيات في بوسطن يحدث في المنازل عام 1912، بينما أصبح معظم الأميركيين يموتون في المستشفيات بحلول خمسينيات القرن الماضي، ووصلت النسبة إلى نحو الثلثين في السبعينيات.

لم يكن هذا التحول سلبياً بالضرورة. فالطب الحديث أنقذ حياة الملايين، وقدم رعاية لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

لكن له أثراً ثقافياً آخر: الموت أصبح أقل ظهوراً في الحياة اليومية.

وحين يختفي الشيء من أمام أعيننا، يصبح الحديث عنه أكثر صعوبة.

لماذا يخيفنا الموت إلى هذا الحد؟

يقدم الفيلسوف تود ماي تفسيراً يتعلق بالطريقة التي ننظر بها إلى حياتنا.

فالإنسان الحديث يعيش وهو يتطلع باستمرار إلى المستقبل: مشروع جديد، علاقة جديدة، رحلة، وظيفة، بيت، تقاعد، أطفال، أحفاد.

الحياة بالنسبة إليه سلسلة من الأشياء التي لم تحدث بعد.

لكن الموت يقطع هذه السلسلة.

إنه يقول لنا إن المستقبل الذي نبنيه في أذهاننا ليس مضموناً.

ومن هنا يأتي جزء من القلق: الموت لا يهدد حياتنا الحالية فقط، بل يهدد المستقبل الذي نتخيله لأنفسنا.

وترى الراهبة البوذية تشان تري نغيم أن جزءاً من المشكلة يرتبط أيضاً بالطريقة الفردية التي تنظر بها المجتمعات الغربية إلى الإنسان: الفرد ككيان مستقل، له بداية محددة ونهاية محددة.

في المقابل، تقدم بعض التقاليد البوذية تصوراً أكثر اتصالاً بفكرة الاستمرارية، بحيث لا يكون الموت بالضرورة جداراً فاصلاً بين وجودين، بل تحولاً داخل دورة أوسع.

لكن ثمة تفسير أكثر بساطة أيضاً.

نحن لا نحب المشاعر الصعبة.

والموت ينتج واحدة من أكثر مجموعات المشاعر إيلاماً التي يمكن للإنسان اختبارها: الخوف، الحزن، العجز، الفقد، الندم، والغضب.

وتقول طبيبة الرعاية التلطيفية لويي كاثي تشانغ إن كثيراً من الناس غير مجهزين للتعامل مع المشاعر غير المريحة، ولذلك يبدو تأجيل التفكير في الموت أسهل من مواجهته.

نقول لأنفسنا: سنتعامل مع الأمر عندما يأتي.

لكن المشكلة أن الأمر سيأتي حتماً.

«أمية الحزن»

الحزن ليس مرضاً يحتاج إلى محوه سريعاً.

وهو ليس مرحلة لها جدول زمني موحد ينتهي بعدها الإنسان ويعود إلى «طبيعته».

الحزن، في جوهره، هو أحد أثمان التعلق.

نحن نحزن لأننا أحببنا.

ونفقد أشخاصاً، لكننا نفقد أيضاً أماكن وعلاقات ووظائف ومشاريع وصوراً كنا نملكها عن المستقبل.

وتشير لوسي هون إلى أن الخسارة لا تقتصر على الموت، وأن فهم الإنسان لما يمر به عندما يخسر شيئاً مهماً يمكن أن يساعده على التعامل مع التجربة بدلاً من اعتبار مشاعره دليلاً على أنه «لا يتعافى» بصورة صحيحة.

وهنا تظهر مشكلة «أمية الحزن».

قد لا يعرف الشخص الذي يقف إلى جانب إنسان ثاكل ماذا يقول.

فيختار الصمت.

أو يقدم نصيحة جاهزة.

أو يحاول تغيير الموضوع.

أو يقول للثاكل إنه يجب أن يكون قوياً.

أو يتوقع منه أن يعود سريعاً إلى حياته الطبيعية.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون ذلك بسبب قسوة الآخرين، بل لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون أمام الحزن.

وهذا بحد ذاته جزء من المشكلة.

هل يمكن أن يكون التفكير في الموت مفيداً؟

المفارقة التي يطرحها الخبراء هي أن التفكير في الموت قد لا يجعلنا أكثر تشاؤماً.

بل قد يجعلنا أكثر ارتباطاً بالحياة.

تقول هون إن مواجهة حقيقة أننا سنموت يمكن أن تساعدنا على العيش بصورة أكثر قصداً، لأنها تجبرنا على السؤال: من وما الذي يهمني فعلاً؟

عندما يصبح الوقت محدوداً في خيالنا، تتغير قيمة الأشياء.

مشادة صغيرة في الطريق قد تفقد أهميتها.

الخوف من التقدم لوظيفة جديدة قد يبدو أقل رعباً.

التردد في الاتصال بشخص نحبه قد يبدو أكثر عبثية.

وعشاء عادي مع العائلة قد يتحول، بمجرد التفكير في احتمالية أنه لن يتكرر، إلى لحظة أكثر قيمة.

ليس المقصود أن نعيش كل يوم وكأنه اليوم الأخير، وهي فكرة قد تتحول هي نفسها إلى عبء.

الفكرة أبسط: أن نعرف أن الحياة محدودة، وأن نسمح لهذه الحقيقة بأن تعيد ترتيب أولوياتنا.

الموت كاختبار للأولويات

ربما يكون السؤال الأكثر فائدة الذي يمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه ليس: «متى سأموت؟»

بل:

ما الذي سأندم على أنني لم أفعله؟

ومَن الشخص الذي أحتاج إلى أن أقول له «شكراً»؟

ومن أحتاج إلى أن أعتذر منه؟

ومن أحتاج إلى أن أسامحه؟

وما الشيء الذي أؤجله باستمرار رغم أنني أعرف أنه مهم؟

هذه الأسئلة لا تتطلب الإيمان بأي فلسفة دينية أو روحية محددة.

إنها ببساطة تعيد وضع الحياة في حجمها الحقيقي.

الاستعداد للموت ليس استسلاماً

هناك أيضاً جانب عملي في التعامل مع الموت لا يقل أهمية عن الجانب النفسي.

كتابة الوصية.

تحديد الرغبات المتعلقة بالرعاية الطبية في نهاية الحياة.

إخبار الأسرة بما نريده إذا أصبحنا غير قادرين على اتخاذ القرارات بأنفسنا.

ترتيب بعض التفاصيل المالية والإدارية.

هذه الأمور قد تبدو باردة أو مزعجة، لكنها يمكن أن تخفف عبئاً كبيراً عن العائلة في لحظة تكون فيها أصلاً تحت وطأة الحزن.

فالأسرة التي تواجه وفاة شخص عزيز لا ينبغي أن تضطر، في الوقت نفسه، إلى محاولة اكتشاف أين توجد أوراقه، أو ماذا كان يريد، أو من يملك حق اتخاذ قرار طبي نيابة عنه.

الحديث عن الموت قبل وقوعه قد يكون، في بعض الأحيان، شكلاً من أشكال العناية بالآخرين.

لا ينبغي أن نقتل الخوف من الموت

لكن التصالح مع الموت لا يعني أن نتوقف عن الخوف منه.

الخوف من الموت طبيعي، بل له وظيفة بيولوجية واضحة: إنه أحد الآليات التي تدفعنا إلى حماية أنفسنا والابتعاد عن الخطر.

لذلك لا يقترح الخبراء القضاء على الخوف، وإنما تعلم تحمله وفهمه.

الهدف ليس أن يصبح الإنسان مرتاحاً تماماً لفكرة موته.

الهدف أن يستطيع التفكير فيها من دون أن ينهار أو يهرب منها.

وهذا فرق كبير.

بين الحاضر والمستقبل

ربما تكمن المفارقة الأعمق في أن التفكير بالموت لا يدعونا إلى تجاهل المستقبل، بل إلى إيجاد توازن بين المستقبل والحاضر.

إذا عشنا للحظة وحدها، قد نهمل مسؤولياتنا وما نريد بناءه.

وإذا عشنا للمستقبل وحده، فقد نضحي بالحاضر كله من أجل حياة لم تأتِ بعد.

الموت يذكّرنا بأن كلا الأمرين مهم.

علينا أن نبني للمستقبل، لكن علينا أيضاً أن نعيش في الوقت الذي نملكه الآن.

ماذا لو تحدثنا عن الموت بصورة طبيعية؟

ربما لا نحتاج إلى تحويل الموت إلى موضوع مريح.

وربما لا ينبغي أن يصبح كذلك.

الموت سيظل مؤلماً ومخيفاً وغامضاً.

لكن يمكن أن يصبح موضوعاً يمكن الحديث عنه.

يمكن أن يتعلم الأطفال أن الموت جزء من الحياة، من دون أن يعني ذلك إخافتهم.

ويمكن للبالغين أن يتحدثوا مع أهلهم عن رغباتهم في نهاية الحياة قبل أن يصبح الحديث مستحيلاً.

ويمكن للأصدقاء أن يتعلموا أن وجودهم إلى جانب شخص حزين أهم أحياناً من العثور على الكلمات المثالية.

ويمكن للمجتمع أن يتوقف عن مطالبة الحزين بأن «يتجاوز» حزنه بسرعة.

لأن الحزن ليس عطباً يحتاج إلى إصلاح.

إنه، في جانب منه، أثر الحب بعد غياب من نحب.

وربما لهذا فإن المشكلة ليست أننا نفكر في الموت كثيراً.

بل أننا نحاول ألا نفكر فيه إطلاقاً.

نعيش كما لو أن الحديث عنه سيجعله أقرب، مع أن الصمت لا يبعده.

وقد يكون قبول حقيقة الموت، paradoxically، أحد الطرق التي تجعلنا أكثر حضوراً في الحياة.

ليس لأن الموت جميل.

بل لأن معرفة أن الوقت محدود تجعلنا أكثر انتباهاً إلى الطريقة التي نختار بها أن نستخدمه.

وهنا تتحول عبارة «تذكّر أنك ستموت» من دعوة إلى التشاؤم إلى دعوة أكثر بساطة وعمقاً:

تذكّر أن الحياة محدودة… واسأل نفسك ماذا تريد أن تفعل بهذا الوقت.

المقال السابق
هل تنجح السعودية في قطع يد إيران في اليمن بعد «النشوة»؟
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

لغز الطاعون في سيبيريا: موسكو تنفي والقلق يتصاعد

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية