قد يعتقد البعض أن معالجي العلاقات الزوجية يعيشون حياة تخلو من الخلافات بفضل خبرتهم المهنية في حل النزاعات بين الأزواج، إلا أن الواقع مختلف؛ فهم يواجهون الخلافات مع شركائهم كما يفعل أي زوجين، لكن الاختلاف يكمن في أسلوب إدارة هذه الخلافات.
ويؤكد عدد من المتخصصين أن المشكلات الزوجية أمر طبيعي في أي علاقة، وأن نجاحها لا يعتمد على غياب الخلافات، بل على كيفية التعامل معها وتحويلها إلى فرصة لتعزيز الثقة والتقارب بين الشريكين.
وترى اختصاصية علم النفس الإكلينيكي في لوس أنجلوس، ألينا غولد، أن الشجار ليس مؤشراً على فشل العلاقة، بل قد يكون جزءاً صحياً منها. وتقول: “سأشعر بالقلق إذا لم نتشاجر أبداً”، موضحة أن الطريقة التي يُدار بها الخلاف هي العامل الحاسم في قوة العلاقة واستمرارها.
وتستشهد غولد بدراسة نشرتها مجلة Family Process، خلصت إلى أن الصراعات في العلاقات الوثيقة أمر لا يمكن تجنبه، إلا أن الأزواج الأكثر سعادة هم أولئك الذين يناقشون حتى أكثر القضايا حساسية بصورة بناءة. كما تشير إلى أن المصالحة بعد الخلاف غالباً ما تعزز مشاعر الثقة والحميمية بين الشريكين.
استراحة مؤقتة بدل التصعيد
وتوضح الأبحاث أن الأشخاص أثناء الشجار قد يدخلون في حالة نفسية تعرف بـ”القتال أو الهروب أو التجمد”، وهي استجابة تقلل القدرة على التفكير بهدوء واتخاذ قرارات متزنة.
وفي هذا السياق، توصي المعالجة الأسرية إليزابيث إيرنشو، مؤلفة كتاب “Til Stress Do Us Part”، بأخذ “استراحة مقصودة” عندما يشعر أحد الطرفين بأن انفعالاته خرجت عن السيطرة، على أن يعود الزوجان لاستكمال الحوار بعد استعادة هدوئهما.
أما غولد، فتنصح الأزواج بالاتفاق مسبقاً على كلمة أو إشارة خاصة تعني الحاجة إلى إيقاف النقاش مؤقتاً، وتروي أن أحد الأزواج الذين تعاملت معهم كان يستخدم عبارة “أنجلينا جولي” كإشارة لطلب استراحة قصيرة. لكنها تؤكد أهمية تحديد مدة هذه الاستراحة مسبقاً حتى لا يفسرها الطرف الآخر على أنها تجاهل أو عقاب.
الاحترام أولاً
من جانبه، يقول جورج جيمس، المعالج المتخصص في الزواج والأسرة بمدينة فيلادلفيا، إن الخلافات بينه وبين زوجته لا تخلو من الاختلاف، لكنهما يتفقان على قاعدة أساسية تتمثل في تجنب الإهانات، والألفاظ الجارحة، ورفع الصوت.
ويضيف: “خلال 25 عاماً من العمل مع الأزواج و19 عاما ً من الزواج، لم أرَ أن القسوة أثناء الشجار أنتجت شيئاً جيداً، بل قد تترك جروحاً يصعب إصلاحها”.
ويؤكد أن التعبير عن الغضب لا يعني الصراخ أو الإساءة، بل يمكن إيصال المشاعر السلبية بهدوء مع الحفاظ على احترام الطرف الآخر.
عبّر عن احتياجاتك بوضوح
وترى غولد أن كثيراً من الخلافات تنشأ لأن أحد الطرفين ينتظر من شريكه أن يفهم احتياجاته دون أن يعبر عنها بشكل مباشر.
وتوضح أنها عندما تشعر بالغضب من زوجها، تسأل نفسها أولاً: ما الحاجة التي لم تُلبَّ؟ هل أحتاج إلى الاهتمام؟ أم التقدير؟ أم التقارب؟ وبعد تحديد احتياجاتها، تعبر عنها بوضوح.
وتروي مثالاً من حياتها الشخصية، إذ عاد زوجها، وهو جراح، إلى المنزل بعد مناوبة طويلة، بينما كانت قد أمضت يومها في رعاية طفلهما بمفردها. وعندما جلس ليتصفح هاتفه شعرت بالانزعاج، لكنها أدركت لاحقاً أن ما كانت تحتاجه في الحقيقة هو كلمة تقدير لما بذلته من جهد. وبمجرد أن عبّر زوجها عن امتنانه، انتهى الخلاف سريعاً.
تغيير وضعية الحوار
وتكشف غولد عن أسلوب آخر تلجأ إليه مع زوجها عند مناقشة القضايا الحساسة، وهو إجراء الحديث وهما مستلقيان جنباً إلى جنب، بدلاً من الوقوف وج هاً لوجه.
وتوضح أن هذه الوضعية تقلل الشعور بالمواجهة والعدائية، وتجعل الطرفين أكثر هدوءاً واستعداداً للاستماع، مقارنة بالمشي ذهاباً وإياباً أو مغادرة المكان أثناء الغضب.
ويجمع الخبراء على أن الخلافات ليست تهديداً للعلاقة الزوجية بحد ذاتها، بل إن أسلوب إدارتها هو ما يحدد ما إذا كانت ستؤدي إلى مزيد من التباعد، أو تصبح فرصة لتعزيز التفاهم والثقة بين الشريكين.
