يديعوت أحرونوت/ميخائيل ميلشتاين
طوال أعوام، كانت إسرائيل تأمل بأن يكون الصراع بينها وبين أعدائها ذا بُعد قومي: أي أن يكون قائماً، بقدر الإمكان، على أساس إقليمي بين الشعوب، وأقلّ ما يمكن، على أساس أيديولوجي وديني، لأن ذلك يعني حرباً ضارية لا أمل بتسويتها. والتحدي الرئيسي في هذا السياق هو الإسلام الأصولي، الذي يحظر الاعتراف بإسرائيل بموجب أمر إلهي، ولا يجيز سوى “الهدنة” في أحسن الأحوال؛ أي وقف موقت يمكن خرقه، على غرار ما حدث في هجوم 7 أكتوبر. وحتى التعامل مع الأطراف غير الإسلامية، فإنه لم يكن سهلاً، ولا يزال كذلك، ولا سيما فيما يتعلق بقبول وجود إسرائيل بصورة عميقة، لكن ثبُت أنه يمكن التوصل إلى اتفاقيات سياسية، بعضها على أساس تسوية إقليمية.
تساهم طريقة تصرُّف إسرائيل في الفترة الأخيرة، وبدرجة كبيرة، في تعقيد هذا التحدي القديم؛ فمنذ 7 أكتوبر، برز وزن المضامين ذات الطابع الديني في سياساتها، ولا سيما فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني. كانت هذه المضامين موجودة دائماً، لكنها لم تكن تتمتع بهذا الدور المهيمِن، باعتبارها بوصلة وطنية. إن الواقع المضطرب، في ظل غياب التحقيق ومعالجة الصدمة الجماعية التي استمرت ثلاثة أعوام، يوفّر أرضية ملائمة لتبنّي أفكار كانت تُعتبر في الماضي غير واقعية، بل هذيانية. وهكذا يجري إدخال مفاهيم وأهداف مأخوذة من العهد التوراتي ومرتبطة بتيار الصهيونية الدينية إلى دورة حياة دولة حديثة، وهذا كله من دون نقاش جدّي بشأن معنى اعتماد الدولة على الإيمان القائل إننا نعيش عصراً من المعجزات ونقترب من الخلاص.
وإلى جانب تصريحات سموتريتش السابقة بضرورة القضاء على قرية حوّارة، وترسيخ عقيدة يشوع بن نون (التي لا تعترف بمواطنين من غير اليهود متساوين في الحقوق، بل تعتبرهم «أغياراً»)، وقبول العرب في إسرائيل، باعتبارهم «مواطنين في الوقت الراهن»، والاعتماد على اقتصاد بعون الله، وعلى شريعة التوراة، كما في عهد الملك داود، وأضيفَ وعد بتمويل بناء الهيكل، فضلاً عن دعوة السعوديين إلى ركوب الجمال في الصحراء إذا واصلوا المطالبة بمفاوضات مع الفلسطينيين كشرط للتطبيع، وإرسال أوروبا إلى الجحيم بسبب العقوبات والانتقادات، على خلفية العنف اليهودي في الضفة الغربية.
تشكل الضفة الغربية ساحة مركزية في عملية “إضفاء الطابع الديني” على السياسة الإسرائيلية، ويتجلى ذلك أيضاً في تقديس التمسك بالأرض (بموجب أمر إلهي)، وفي التعامل مع الفلسطينيين (بصفتهم أغياراً يُستحسن أن يرحلوا، ويفضَّل أن يكون ذلك «طوعاً»). وفي هذه ا لمنطقة الخارجة عن الإطار الإقليمي المعتاد للضفة الغربية، تتطور أعراف تتسرب إلى أنحاء الدولة كلها بالتدريج، وتؤثر في أوضاع جميع الإسرائيليين ومستقبلهم. وتوضح الحياة اليومية في الضفة كيف يتحول الصراع إلى صراع ديني في جوهره، مثل إحراق المساجد والكنائس، وتعميق التمسك بمواقع دينية عديدة تحظى بمكانة صخرة وجودية بالنسبة إلى إسرائيل.
وتتمثل ذروة هذه العملية في تغيير الوضع القائم في “جبل الهيكل” [الحرم القدسي الشريف]، بالتزامن مع ازدياد الطقوس، ومعظمها ديني، التي يشارك فيها عدد أكبر من الأشخاص، مقارنةً بالماضي، إلى جانب تصريحات علنية، مفادها بأنه سيتعين علينا في المستقبل “إخلاء” المسجد الأقصى من أجل بناء الهيكل.
وبسبب انتظار نتائج الانتخابات والتركيز على التهديد الإيراني، فإن الدول العربية، ولا سيما تلك التي تربطها علاقات بإسرائيل، وإن كانت مستاءة من السياسة الحالية في “جبل الهيكل”، فإنها لا تقطع العلاقات، أو تتخذ خطوات حاسمة، وهو ما يزيد في الثقة لدى صنّاع القرار في إسرائيل الذين يقولون: “لقد أخفنا أنفسنا بلا سبب.” ومن المستحسن الافتراض أنه من غير الممكن إحداث تغيير دراماتيكي في الوضع القائم في هذا المكان بهدوء، وأننا سنصل في نهاية المطاف إلى نقطة انفجار سترافقها ضربة شديدة للعلاقات مع دول المنطقة، والتي تشكل أصلاً استراتيجياً لإسرائيل.
إن تعزيز العناصر الدينية في السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية في السياق الفلسطيني يترافق مع طقوس تُقدَّم على أنها “فعاليات وطنية”: بدءاً بمهرجانات العودة إلى القطاع، وصولاً إلى الرحلات خلال الأعياد في شمال “السامرة” [الضفة الغربية]، بينما تجري على الهامش محاولات استيطان مثيرة للجدل في الأراضي السورية وعمليات عبور خطِرة للحدود مع لبنان. هذه الأمور تثير مشاعر قوية لدى كثيرين من أبناء الصهيونية الدينية، لكنها لا تعني الكثير لجزء كبير من الجمهور. وبعبارة أُخرى، يجري تغيير عميق وطويل الأمد للواقع الوطني، من دون نقاش، ومن دون سؤال جميع المواطنين عن رأيهم، ومن دون تقديم تفسير للمعنى المترتب على ذلك، مع فرض رؤية قطاع معين على المجتمع ككل.
ومن المتوقع أن يؤدي تعزيز المحور الديني في الاستراتيجيا الإسرائيلية إلى الإضرار بشدة بالعلاقات مع دول المنطقة والعالم، وإلى تكوين انطباع لديها، مفاده بأن إسرائيل تغيّر طبيعتها وتتحول إلى دولة متشددة وغير متزنة، ولا توجد فيها مساواة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تغيير سلبي في العلاقات السياسية والاقتصادية معها؛ أمّا قادة “الثورة” [المقصود المسيانيون من الصهيونية الدينية] في الضفة الغربية، الذين يسعون، وبوعي، لإقامة دولة واحدة بين البحر ونهر الأردن، فيرفضون المخاوف، فضلاً عن الأصوات المنتقِدة، بحجة أن الأمر يتعلق بعقبات لا أهمية لها، مقارنةً بالإنجاز الاستراتيجي الذي يعتبرونه “ملكاً لنا جميعاً”.
إذا استمرت السياسة الحالية، ولا سيما إذا توسعت وتشدّدت، فسيتضرر بشدة أيضاً التوازن الداخلي في إسرائيل، وهو مضطرب أصلاً. إن تعدُّد المغامرات الأيديولوجية - مثل الإصرار على تنفيذ عمليات، هدفها الصلاة في المواقع الدينية، والقيام برحلات إلى أماكن محفوفة بالمخاطر، وخصوصاً في الضفة الغربية، ورفع العلم في مناطق ذات أهمية لمجموعات معينة، لكنها قليلة الأهمية، إن لم تكن عديمة الأهمية، لمجموعات أُخرى - إلى جانب سيناريو مرعب يتمثل في تنفيذ ترحيل جماعي واستخدام عنف شديد ضد شرائح سكانية واسعة، سيعمّق الانقسامات القائمة أصلاً على ماهية الرؤية والقيم والأهداف المشتركة، وقبل كل شيء، على السؤال: من أجل ماذا نحارب، ولماذا نضحّي بأرواحنا في هذه الدولة؟
