"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

كاميرا "فوضى" التي دخلت جرح إسرائيل وتوقفت عند سياج غزة

نيوزاليست
الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

كاميرا "فوضى" التي دخلت جرح إسرائيل وتوقفت عند سياج غزة

مالك العثامنة

شاهدت الموسم الخامس من المسلسل الإسرائيلي “فوضى” كاملاً، وربما للمرة الأولى منذ بدأت متابعته شعرت أنني لا أشاهد عملاً أمنياً عن المطاردات والاختراقات والعمل السري فحسب، بل أراقب إسرائيل وهي تحاول فهم ما جرى لها في 7 أكتوبر، ثم تتردد، في اللحظة نفسها، أمام السؤال الأصعب: ماذا فعلت هي بعد ذلك؟

هذه المرة لا يبدو “فوضى” منشغلاً بحماس وحدها، ولا بالفلسطيني بوصفه الخصم الدائم في الحكاية، بل بإسرائيل نفسها، وبالصدمة التي زرعها 7 أكتوبر داخل مجتمع كان يعتقد، حتى صباح ذلك اليوم، أن دولته تعرف كل شيء، وأن جيشها يصل إلى كل مكان، وأن أجهزتها الأمنية ترى الخطر قبل أن يولد.

ثم وصل الخطر إلى البيوت.

وهنا، في رأيي، يبدأ الموسم الحقيقي.

لا أرى في “فوضى” صوتاً لليسار الإسرائيلي، ولا أظن أن صناع العمل يرون أنفسهم كذلك أصلاً. فليئور راز، بطل المسلسل وأحد كاتبيه، وآفي يسسخاروف، الكاتب والمحلل السياسي، خرجا من البيئة الأمنية الإسرائيلية ويكتبان من داخلها لا من خارجها. والمسلسل، في جميع مواسمه، منح الرواية الإسرائيلية المساحة الأكبر، حتى عندما حاول منح الفلسطيني وجهاً إنسانياً.

لكن أهمية الموسم الخامس تأتي من هذا الموقع تحديداً.

فالنقد الذي يقدمه لا يصدر عن خصم لإسرائيل، بل من داخل فكرتها الأمنية نفسها. من أشخاص يؤمنون بالدولة، لكنهم بدأوا يخافون مما تفعله الدولة بنفسها.

حتى اختيار كلمة “الثأر” لتكون في قلب الموسم لم يكن تفصيلاً عابراً. فالثأر هنا لا يُقدَّم باعتباره جواباً، بل باعتباره مأزقاً. يبدأ شعوراً إنسانياً مفهوماً بعد المذبحة والفقد والخوف، ثم يتحول تدريجياً إلى طريقة تفكير كاملة. وعندها لا يعود السؤال: من نقتل؟ بل: ماذا يتبقى منا بعد أن نقتل؟

هذه الفكرة تتجسد بوضوح في شخصية دورون.

الرجل الذي عرفناه في المواسم السابقة واثقاً من نفسه، مندفعاً، ومؤمناً بقدرته على اختراق عالم خصومه والخروج منه، يظهر هذه المرة رجلاً متعباً يحمل الحرب معه حتى خارج ساحاتها. هناك علاج نفسي، وذاكرة لا تنطفئ، وغضب لم يعد مجرد أداة في العمل، بل تحول إلى شيء يأكله من الداخل.

وفي مشاهد 7 أكتوبر يصبح المسلسل أكثر وضوحاً.

يتحرك دورون وستيف وسط الفوضى، لكنهما لا يبدوان جزءاً من منظومة تعرف ما تفعله، بل فردين يحاولان التقاط ما يمكن إنقاذه من كارثة أكبر منهما. على الطرقات أناس يهربون، وفي البيوت عائلات تنتظر النجدة، بينما يظل سؤال واحد معلّقاً فوق كل المشاهد: أين الدولة؟

وفي بيت إيلي تحديداً لا يحتاج المسلسل إلى خطاب طويل. زوجته وأطفاله عالقون داخل الغرفة المحصنة فيما الخطر يقترب، بينما هو، رجل المؤسسة الأمنية، عاجز عن الوصول إليهم. فجأة تصبح آلة الحماية الإسرائيلية عاجزة عن حماية عائلة أحد رجالها.

عند هذه النقطة لا يعود “فوضى” مسلسلاً عن فشل أمني فقط، بل عن انهيار الثقة.

وربما هنا يمكن فهم جانب من المزاج الإسرائيلي الذي تلا 7 أكتوبر. فعندما تنهار الثقة بالدولة بهذه الصورة، يصبح الغضب سهلاً، ويصبح الانتقام أسهل، ويصبح من يعد الناس بالقوة المطلقة قادراً على تقديم نفسه باعتباره صاحب الإجابة.

وهنا أيضاً يبدأ الخلاف الخفي بين “فوضى” وإسرائيل التي يمثلها بنيامين نتنياهو وحلفاؤه.

المسلسل لا ينكر وجع 7 أكتوبر ولا يحاول تخفيفه، بل يغرق فيه أحياناً. لكنه في المقابل لا يبدو مقتنعاً بأن الثأر يصلح بديلاً من السياسة. كل عملية تفتح الباب لعملية أخرى، وكل دم يقود إلى دم جديد، وكل انتقام يمنح صاحبه لحظة إشباع قصيرة قبل أن يكتشف أن شيئاً لم ينتهِ.

حتى نهاية سعيد لا تقدم خاتمة مريحة. لا تشعر أن الحساب أُغلق، ولا أن العالم عاد إلى مكانه. يحدث القتل، لكن الراحة لا تأتي.

وهذا ربما أكثر ما يقوله الموسم بوضوح: يمكنك أن تنتقم، لكنك لا تستطيع إعادة الزمن إلى ما قبل الجرح.

مع ذلك، هناك مشكلة كبيرة في “فوضى”، ولا يمكن تجاهلها فقط لأن المسلسل انتقد إسرائيل من الداخل.

غزة موجودة في الموسم، لكنها موجودة خلف السياج.

نراها كجغرافيا وكخطر وكجهة تنطلق منها الأحداث، لكن الكاميرا لا تدخل إليها. يأخذنا العمل بالتفصيل إلى الخوف الإسرائيلي: إلى البيوت، والغرف المحصنة، وسيارات الهاربين، ويمنحنا أسماء ووجوهاً وعائلات وقصصاً شخصية.

أما على الجانب الآخر من السياج فلا يحدث الشيء نفسه.

لا نعيش يوماً مع عائلة في غزة. لا ندخل منزلاً مدمراً. لا نرى أباً يبحث عن أطفاله تحت الركام، ولا أماً تنتظر خبراً، ولا طفلاً يمتلك اسماً وملامح وحياة قبل أن يصبح رقماً.

وهنا تحديداً تظهر حدود جرأة “فوضى”.

فهو قادر على أن يسأل إسرائيل: ماذا فعل 7 أكتوبر بكم؟

وقادر أيضاً على أن يسأل: ماذا يفعل الانتقام بكم؟

لكنه لا يصل إلى السؤال الثالث: ماذا فعلتم أنتم بالآخرين؟

عند هذا السؤال تتوقف الكاميرا.

وهذه ليست ملاحظة فنية صغيرة، بل ربما تختصر مأزقاً إسرائيلياً أوسع من المسلسل نفسه. فهناك داخل إسرائيل من بدأ فعلاً يشعر بالخوف من التطرف، ومن استمرار الحرب، ومن تحول الانتقام إلى عقيدة دولة، ومن الثمن الذي يدفعه المجتمع الإسرائيلي ذاته. لكن المسافة لا تزال بعيدة بين الخوف على النفس والقدرة على رؤية ألم الآخر.

لهذا وجدت الموسم الخامس مهماً.

ليس لأنه قدم رواية عادلة للصراع، فهو لم يفعل ذلك. وليس لأنه اكتشف الفلسطيني فجأة، لأنه لم يفعل ذلك أيضاً.

بل لأنه كشف، ربما من دون أن يقصد دائماً، عن إسرائيل أخرى موجودة تحت ضجيج نتنياهو وبن غفير وسموتريتش. إسرائيل أمنية ووطنية ومجروحة، لكنها بدأت تشك في أن الطريق الذي تسير فيه لا يقود إلى أمن أكثر، بل إلى جولة جديدة من الدم، ثم جولة أخرى بعدها.

وهنا تصبح كلمة “فوضى” أكثر دقة من أي وقت مضى.

فالفوضى ليست فقط حين يدخل دورون ورجاله إلى مدينة فلسطينية متنكرين، ولا حين تنهار خطة أمنية أو يفلت مطلوب. الفوضى الحقيقية تبدأ عندما تصبح دولة قوية بما يكفي لقتل خصومها، لكنها لا تعود تعرف ماذا تفعل بغضبها بعد ذلك.

والموسم الخامس يصل إلى هذه النقطة بشجاعة لا بأس بها، ثم يتوقف.

يتوقف تماماً عند السياج.

كأن إسرائيل بدأت أخيراً تنظر إلى المرآة، ورأت في داخلها شيئاً أخافها، لكنها ما زالت غير مستعدة لأن تدير رأسها قليلاً نحو الجهة الأخرى.

موقع “نقطة واول السطر”

المقال السابق
بالصوت والصورة/ ميشال عون وتفجير مرفأ بيروت
المادة التالية
"تهذبي وتأدبي"
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

هذا هو جيش اردوغان!

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية