هناك مفارقة يصعب تجاهلها في حياة الجيل الجديد: لم يسبق لشباب العالم أن امتلكوا هذا القدر من وسائل التواصل، ومع ذلك لم يسبق أن كان هذا العدد منهم يشعر بهذا القدر من الوحدة.
في كل لحظة تقريبًا، يستطيع الشاب أن يرسل رسالة، أو يدخل محادثة جماعية، أو يتصل بصديق، أو يفتح عشرات الحسابات على هاتفه. ومع ذلك، يتزايد شعور كثيرين بأنهم لا يملكون شخصًا حقيقيًا يتحدثون إليه.
في أحد منتديات «Reddit»، كتب شاب في الخامسة والعشرين أنه لم يعد يبحث حتى عن علاقة جنسية، بل عن شيء أبسط: حضن. وكتبت شابة في العشرين أنها تأكل وحدها، تذهب إلى الجامعة، تعود إلى المنزل وتدرس، ثم تعيد الدورة نفسها. وكانت تقول إن أصعب لحظات الأسبوع هي المساءات وعطلات نهاية الأسبوع، حين تحتاج إلى شخص تخرج معه أو حتى تتحدث إليه.
هذه ليست حالات فردية معزولة.
وفق تقرير لجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالتواصل الاجتماعي، يشعر الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و29 عامًا بالوحدة بمعدلات أعلى من أي فئة عمرية أخرى؛ إذ يقول ما بين 17 و21% منهم إنهم يشعرون بالوحدة. كما أظهرت دراسة شملت أكثر من مليون شاب في 38 دولة أن الوحدة بين الشباب ارتفعت في مناطق عديدة من العالم بين عامي 2002 و2022.
السؤال إذن ليس: لماذا أصبح بعض الشباب وحيدين؟
بل: هل صنعت المجتمعات الحديثة جيلًا أكثر عرضة للوحدة؟
طفولة مختلفة
ترى الباحثة وعالمة النفس السريري ميشيل ليم أن الإجابة تبدأ من مكان أبعد بكثير من الهاتف.
فـطبيعة الطفولة نفسها تغيرت خلال العقود الأخيرة.
الأطفال والشباب أصبحوا يعيشون قدرًا أكبر من حياتهم داخل المنزل، وتراجعت المساحات التي كانوا يلتقون فيها بصورة عفوية: الشوارع، الحدائق، الأحياء، النوادي، المقاهي، وحتى الرحلات اليومية الصغيرة التي كانت تفرض الاحتكاك بالآخرين.
وهذه الاحتكاكات التي تبدو بلا أهمية هي في الحقيقة مدرسة اجتماعية.
أن تقول «مرحبًا» لشخص لا تعرفه، أن تجلس إلى جانب شخص غريب، أن تبدأ حديثًا قصيرًا، أن تختلف مع شخص ثم تتصالح معه، أن تشعر بالحرج ثم تتجاوزه.
كل هذه المهارات لا نتعلمها من الكتب. نتعلمها من الآخرين.
ومع تراجع هذه المساحات، أصبح كثير من الشباب يدخلون الحياة الاجتماعية وهم يفتقرون إلى بعض المهارات البسيطة التي كان أسلافهم يكتسبونها بصورة طبيعية.
الهاتف ليس القصة كلها
من السهل تحميل الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي المسؤولية.
لكن التحقيق يحذر من تفسير بهذه البساطة.
الهاتف قد يكون أحيانًا عرضًا للمشكلة وليس سببها الوحيد.
فالشاب الذي يشعر بأنه لا ينتمي إلى مجموعة قد يجد في هاتفه ملجأً. والشخص الذي يخاف من الرفض قد يفضل إرسال رسالة على الاقتراب من شخص في العالم الحقيقي.
وهكذا يمكن أن تصبح التكنولوجيا وسيلة للهروب من القلق الاجتماعي، وفي الوقت نفسه تزيد الاعتماد على العلاقات التي لا تتطلب الحضور الجسدي.
المشكلة ليست في أن تكون لديك مئات جهات الاتصال.
المشكلة هي أن لا يكون لديك شخص تستطيع أن تذهب إليه عندما تكون في حاجة فعلية إلى أحد.
اختفاء «العلاقات الصغيرة»
من أكثر الأفكار إثارة في التحقيق مفهوم «الروابط الضعيفة».
وهي ليست الصداقات الحميمة، بل تلك العلاقات اليومية الصغيرة: بائع تعرفه، جار تصادفه، زميل تلتقيه في الطريق، شخص تجلس إلى جانبه في مقهى، أو حتى شخص تتبادل معه بضع كلمات في المصعد.
قد تبدو هذه العلاقات بلا قيمة.
لكن علماء الاجتماع يرون أ نها تشكل جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي. فمن خلالها نتعلم كيف نتحدث، وكيف نثق بالآخرين، وكيف نشعر بأننا جزء من مكان ومجتمع.
اليوم، تتراجع هذه اللقاءات أيضًا.
العمل من المنزل، ارتفاع كلفة الحياة، قلة الأماكن المجانية أو الرخيصة للقاء، والاعتماد المتزايد على التواصل الرقمي كلها عوامل تجعل الإنسان يقضي وقتًا أطول بعيدًا عن الآخرين.
المال أيضًا جزء من المشكلة
الوحدة ليست دائمًا مشكلة نفسية.
قد تكون مشكلة اقتصادية أيضًا.
حين يصبح استئجار منزل مكلفًا، والتنقل مكلفًا، والخروج إلى مقهى أو مطعم مكلفًا، تصبح الحياة الاجتماعية نفسها أكثر صعوبة.
ويقول خبراء في علم النفس الاجتماعي إن الشباب يواجهون اليوم صعوبة أكبر في الحصول على عمل وشراء منزل وبناء حياة مستقرة.
وعندما يصبح المستقبل غامضًا، يمكن أن يصبح بناء العلاقات أكثر صعوبة أيضًا.
الشخص القلق بشأن المال والعمل والسكن قد يجد صعوبة في أن يشعر بأنه قادر على أن يكون صديقًا جيدًا أو أن الآخرين يرغبون فعلًا في وجوده.
ليس بالضرورة أن يكون الشباب أكثر وحدة
وهنا تأتي نقطة مهمة.
لا يقول الباحثون إن الأدلة تثبت بب ساطة أن الشباب أصبحوا أكثر وحدة من جميع الأجيال السابقة.
فالشباب كانوا دائمًا من أكثر الفئات شعورًا بالوحدة، خصوصًا في مرحلة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة والعمل والاستقلال.
لكن ما يتغير، بحسب بعض الباحثين، هو نوعية العلاقات وتوقعات الشباب منها.
قد يكون لدى الشاب عدد أقل من الأصدقاء، لكنه لا يشعر بأنه يحتاج إلى عدد كبير منهم.
وقد يكون لدى شخص آخر عشرات الأصدقاء على الإنترنت لكنه يشعر بعدم الرضا عن علاقاته الواقعية.
المشكلة إذن قد لا تكون في عدد الأصدقاء فقط، بل في عمق العلاقة وجودتها والإحساس بالانتماء.
«أنا لا أملك أصدقاء»
اللافت أن الوحدة بدأت تظهر أيضًا على وسائل التواصل الاجتماعي نفسها.
هناك شباب يصنعون محتوى عن كونهم بلا أصدقاء، أو عن تناول الطعام وحدهم، أو عن قضاء عطلات نهاية الأسبوع بمفردهم.
أحد هؤلاء الشباب أصبح فيديو له بعنوان «ليس لدي أصدقاء» أكثر مشاهدة بكثير من بقية محتواه.
المفارقة أن نشر الوحدة على الإنترنت جعله يكتشف أن هناك آلاف الأشخاص الذين يعيشون التجربة نفسها.
لقد وجدوا بعضهم بعضًا لأنهم كانوا وحيدين.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم مفارقات العصر الرقمي: التكنولوجيا التي ساهمت في إضعاف بعض أشكال التواصل أصبحت أيضًا المكان الذي يعترف فيه الناس بأنهم يفتقدون التواصل.
هل يمكن استعادة ما فقدناه؟
ربما لا يكون الحل في التخلص من الهاتف، ولا في مطالبة الشباب ببساطة بـ«الخروج أكثر».
الحل قد يكون في إعادة بناء الأماكن والعادات التي تسمح للناس بأن يلتقوا من دون سبب كبير.
نادي كتاب. فريق رياضي. مقهى يعرف فيه الناس بعضهم. مكتبة. جمعية محلية. تطوع. حتى الحديث مع الجار.
فالعلاقات لا تولد عادة من اللقاء الكبير والاستثنائي، بل من التكرار.
أن ترى الشخص نفسه مرة، ثم مرة أخرى، ثم بعد أسابيع يصبح وجهًا مألوفًا، ثم يتحول الوجه المألوف إلى شخص تعرف اسمه، ثم إلى شخص تسأله عن حاله.
هكذا، وببطء شديد، تُبنى الصداقة.
المشكلة ليست في الشباب وحدهم
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يطرحه التحقيق هو: هل نطلب من الشباب أن يتكيفوا مع عالم ألغى كثيرًا من الشروط التي تسمح بالصداقة؟
إذا اختفت الأماكن العامة، وارتفعت كلفة الحياة، وانتشر العمل من المنزل، وأصبحت ساعات طويلة من اليوم تُقضى أمام الشاشات، ثم قلنا للشاب إنه يجب أن يكون أكثر اجتماعية، فنحن نضع المشكلة كلها على الفرد.
لكن الوحدة قد تكون في جزء منها مشكلة اجتماعية وتنظيمية.
فالإنسان لا يصبح اجتماعيًا بمجرد أن نطلب منه ذلك.
إنه يحتاج إلى مكان يذهب إليه، وأشخاص يلتقيهم، ووقت لا يكون فيه مضطرًا إلى العمل، ومال يسمح له بالخروج، وشعور بالأمان يسمح له بأن يبدأ حديثًا مع شخص غريب.
