في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى نجاح الضغوط الإيرانية والدولية في إبعاد شبح استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، تتواصل الحرب في الجنوب اللبناني بوتيرة متصاعدة، فيما يبرز تباين واضح بين منطق الدولة الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ومنطق «وحدة الساحات» الذي يتمسك به «حزب الله» وحلفاؤه.
فخلال الساعات الماضية، تكرست معادلة جديدة عنوانها أن الضاحية الجنوبية لم تعد مجرد منطقة لبنانية مهددة بالحرب، بل أصبحت جزءاً من الاشتباك الدبلوماسي الدائر بين واشنطن وطهران. فبعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه تدخل شخصياً لمنع هجوم إسرائيلي واسع على بيروت، خرج مسؤولون إيرانيون وقياديون في «حزب الله» ليؤكدوا أن وقف استهداف الضاحية جاء نتيجة ضغوط مارستها طهران وربطتها بمسار المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، قال عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب إيهاب حمادة إن الحزب لا يتواصل مباشرة مع أي جهة، وإن قنوات التواصل تمر عبر إيران ورئيس مجلس النواب نبيه بري، مؤكداً أن وقف إطلاق النار في لبنان أصبح جزءاً من الشروط الإيرانية المطروحة في أي تفاهم مع واشنطن.
كما جاءت مواقف المسؤولين الإيرانيين لتكرّس هذا الربط بشكل أوضح. فقد اعتبر مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي أن مجرد قدرة واشنطن على منع هجوم إسرائيلي على بيروت عبر اتصال هاتفي يثبت حجم الدور الأميركي في إدارة مسار ال حرب، متسائلاً عن أسباب استمرار الاعتداءات على لبنان طوال الأشهر الماضية إذا كان بالإمكان وقفها بهذه السهولة.
غير أن الهدنة التي تحاول واشنطن تثبيتها تبدو حتى الآن شديدة الهشاشة. فبينما انشغلت العواصم المعنية بمنع استهداف الضاحية، استمرت العمليات العسكرية في الجنوب بلا انقطاع.
وجدد الجيش الإسرائيلي الثلاثاء إنذارات الإخلاء لسكان مناطق في محافظة النبطية، داعياً المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع قال إنها تُستخدم لأغراض عسكرية، في مؤشر إلى استمرار التصعيد واتساع رقعة العمليات الميدانية.
وفي الوقت نفسه، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف التهديدات، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل باستمرار الهجمات على شمالها من دون رد على بيروت. وقال إن «الضاحية الجنوبية لا تختلف عن بلدات الشمال الإسرائيلي، وإذا لم يكن هناك هدوء في الشمال فلن يكون هناك هدوء في بيروت»، مشدداً على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية في جنوب لبنان ويعمل على إبعاد «حزب الله» عن الحدود وتحويل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إلى منطقة خالية من السلاح.
وتعكس هذه المواقف أن تعليق الضربة على الضاحية لا يعني خروجها من بنك الأهداف الإسرائيلي، بل تأجيلها في إطار تفاهمات وضغوط دولية يمكن أن تنهار في أي لحظة إذا استمرت الهجمات على شمال إسرائيل.
في المقابل، يتمسك رئيس الجمهورية جوزاف عون بمقاربة مختلفة. ففي وقت تربط فيه طهران وواشنطن وتل أبيب مصير الجبهة اللبنانية بحسابات إقليمية معقدة، يواصل عون الدعوة إلى حماية السلم الأهلي والاحتكام إلى التفاوض باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.
وأكد رئيس الجمهورية أن لبنان دفع أثماناً باهظة نتيجة المواجهات، تمثلت بآلاف القتلى وأكثر من مليون نازح ودمار واسع طال القرى والبلدات، مشدداً على أن مسؤولية الدولة تفرض البحث عن تسوية توقف النزيف وتحمي ما تبقى من الاستقرار الداخلي. وقال إن «القوة ليست في خوض الحرب بل في امتلاك الشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض».
وبين هذين المسارين، تبدو الصورة اللبنانية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالضاحية الجنوبية باتت عملياً جزءاً من معادلة التفاوض الإيراني ـ الأميركي، فيما يستمر الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للغارات والاشتباكات والنزوح والدمار.
وهكذا، بينما تدور المفاوضات والضغوط الدولية حول مستقبل بيروت والضاحية، تستمر الحرب في النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور، وكأن الجنوب بات خارج التفاهمات التي نجحت حتى الآن في حماية العاصمة من النار، من دون أن تنجح في حماية لبنان كله منها.
ويبقى السؤال المطروح: هل تتجه البلاد نحو تسوية تحمي لبنان بأكمله، أم نحو معادلة جديدة تُرفع فيها المظلة فوق الضاحية وحدها فيما يبقى الجنوب ساحة مفتوحة للحرب؟
