https://www.tiktok.com/@haj.akil/video/7644231982066584839
فيديو قصير ظهر أمامي صبيحة عيد الأضحى، بينما كنت أتبادل رسائل المعايدة هاتفياً مع أصدقائي، كان كفيلًا بأن يزلزل شيئًا عميقًا في داخلي. أمّ جنوبية تودّع ابنها “الشهيد”، تصرخ بحرقة تختصر وجع الأرض كلّه: “الله معك يا ابني”. لم يكن صوتها مجرد بكاء عابر، بل بدا كأن قلبًا كاملًا ينهار متعفّرًا بالتراب على مرأى العالم. لحظة فضحت كل الشعارات، وكشفت زيف اللغة الخشبية التي اعتدنا سماعها كلما سقط شاب جديد على مذابح حروب الآخرين على أرضنا.
ذلك المشهد جعلني أنمّل من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ، ليس لأن الموت جديد علينا، بل لأن هذا الفيديو أعاد الموت إلى معناه الإنساني الخام، بعيدًا عن المزايدات والخطب والتصفيق. فجأة، سقطت كل الصور البطولية المصنوعة بعناية أمام صرخة أم واحدة تقول لابنها المحمول إلى مثواه الأخير: “الله معك”.
كم حاولوا إقناعنا بأن الأمهات يقدّمن أبناءهن بنشوة، وبأن الفقد يتحول تلقائيًا إلى مجدٍ صافٍ لا تشوبه دمعة ولا خوف ولا انكسار. لكن الحقيقة لا تشبه هذا أبدًا، الحقيقة تكمن في تلك الصرخة تحديدًا، في الارتجافة التي سبقت الكلمات، في هزّ الرأس يمنةً ويسرةً، في تلويح اليدين، وفي العجز الكامل أمام فكرة أن هذا الابن الذي ربّته بالشبر والندر لن يعود أبدًا.
هذه الحرب التي تحوّلت إلى ماكينة لإنتاج الخطابات، جعلت من الألم الإنساني نفسه تفصيلًا ثانويًا. يطلبون من الأمهات أن يكنّ أسطوريات في الصبر، وأن يتعاملن مع الموت كأنه أمر اعتيادي، بل كأنه مناسبة للفخر فقط، لكن ما لا يريد البعض رؤيته هو أن خلف كل “شهيد” بيتًا انكسر، وأمًا انطفأ جزء منها إلى الأبد، وأخوة سيعيشون ما تبقى من عمرهم وهم يحاولون التعايش مع الغياب.
والمؤلم أن بيئة هؤلاء الثكالى لا تسمح لهن بالحزن، لا بل تطلب منهن أن يبتلعنه، يرفعن رؤوسهن أمام الكاميرات، وأن يبتسمن لقدرهنّ، بعد أن جرى اقناعهن بأن الحزن ضعف والبكاء قلّة صبر، والخوف على الأبناء نقصًا في الكرامة.
ذلك الفيديو لم يكن مجرد لحظة وداع بل كان كشفًا قاسيًا لكل ما نحاول دفنه تحت طبقات من الشعارات. ستبقى صرخة تلك الأم أصدق من كل الخطب، لأنها خرجت من مكان لا يعرف الكذب: من قلب يدرك أن ابنها لن يعود، وأن العالم كله، بكل شعاراته وانتصاراته، لن يستطيع أن يعوّضها عنه.
