قرر بنك إنجلترا استبعاد شخصيات تاريخية بارزة من أوراقه النقدية، بعد تحذيرات من أن بعض هذه الشخصيات باتت تُعتبر “نخبوية ومتحيزة ”. ومن بين الأسماء التي شملها النقاش رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، الذي قاد البلاد خلال الحرب العالمية الثانية. وكشفت صحيفة “التلغراف” البريطانية تفاصيل هذا التوجه في تحقيق استند إلى وثائق داخلية.
ووفقاً للتحقيق، خلصت دراسة شاملة كلف بها البنك إلى أن شخصيات مثل تشرشل والروائية البريطانية الشهيرة جين أوستن تُعد اليوم “مثيرة للجدل ولا تمثل التنوع الثقافي والطبيعي للمملكة المتحدة بصورة أمينة”.
وجاء في التوصية المرفوعة إلى كبار مسؤولي البنك اقتراح استبدال الصور الشخصية التقليدية بصور مستوحاة من الطبيعة، انطلاقاً من اعتبار أن تخليد الشخصيات التاريخية يعكس “رؤية قديمة وحنينية لبريطانيا، تنطوي على مخاطر كبيرة لتشجيع الانقسام وإثارة الجدل العام”.
وأُعد التقرير في أكتوبر 2025 من قبل شركة أبحاث السوق “سافانتا”، ولم تُكشف تفاصيله كاملة إلا أخيراً بعد الحصول عليه بموجب قانون حرية المعلومات، وذلك قبل أشهر من إعلان البنك رسمياً قراره استبدال الشخصيات التاريخية بصور للحياة البرية، للمرة الأولى منذ أكثر من خمسة عقود.
من جهته، يؤكد بنك إنجلترا أن القرار لا ينبع من “ثقافة الإلغاء”، بل يستند إلى نتائج استطلاع رأي أظهر أن 60 في المئة من المشاركين يفضلون رؤية موضوعات مستوحاة من الطبيعة على الأوراق النقدية. كما استند القرار إلى مبررات أمنية طرحها محافظ البنك أندرو بيلي، الذي أوضح أن التصميمات الجديدة ستجعل من الصعب على شبكات التزوير الدولية المتطورة إعادة إنتاج الوجوه البشرية بدقة.
ومع ذلك، تكشف نتائج الدراسة التي أعدتها “سافانتا” صورة أكثر تعقيداً للخلفيات التي رافقت القرار. ففي إحدى مجموعات النقاش، وصف أحد المشاركين عالم الرياضيات والحاسوب البريطاني آلان تورينغ بأنه شخصية “إمبريالية”، معرباً عن استيائه مما وصفه بطابع “جيل طفرة المواليد” الذي تعكسه الأوراق النقدية الحالية، معتبراً أنها توصل إلى الأجيال الشابة رسالة متعالية مفادها: “نحن من انتصر في الحرب العالمية الثانية وأنقذ العالم”.
كما أظهرت الدراسة أن عدداً من البدائل المقترحة للتصميم جرى استبعاده لأسباب مرتبطة بالحساسيات السياسية والثقافية. فقد اعتُبرت المباني التاريخية العائدة إلى العصرين الفيكتوري والجورجي عالية المخاطر بسبب “الارتباطات المحتملة والتاريخية بالاستعمار وتجارة الرقيق”. وحتى استخدام مشاهد طبيعية مثل المنحدرات البيضاء الشهيرة في دوفر قوبل بالرفض، خشية أن يُفسر على أنه موقف سياسي مرتبط بقضايا الهجرة غير الشرعية والحدود وقوارب المهاجرين التي تعبر القناة الإنجليزية.
وبناءً على هذه المعطيات، اختار البنك ما اعتبره الخيار الأكثر أماناً، حيث سيُطلب من الجمهور البريطاني التصويت للاختيار بين 18 نوعاً من الحيوانات المحلية، من بينها الثعلب الأحمر والدلفين والضفدع، لتظهر صورها إلى جانب صورة الملك تشارلز الثالث على الأوراق النقدية الجديدة.
وأثار الكشف عن هذه التفاصيل في صحيفة “التلغراف” ردود فعل سياسية وشعبية واسعة في المملكة المتحدة، مع تصاعد الدعوات إلى إعادة النظر في القرار. وفي هذا السياق، دعا النائب روبرت جينريك بنك إنجلترا إلى “وقف الهدر والعبث”، مضيفاً بسخرية أنه لولا قيادة تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية وعبقرية آلان تورينغ في فك الشيفرات، لكان البريطانيون اليوم يعيشون تحت نظام يجسد بالفعل قيماً “إمبريالية وتفتيتية” بكل ما للكلمة من معنى.
