حين كتب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن «الحرب هي سبب هزيمتنا»، كان يتحدث عن قرار اتخذته إدارة هو شريك فيها، وعن ثمن دفعه حزبه في صناديق الاقتراع. قال دونالد ترامب إن إيران كانت جزءاً من أسباب الخسارة. أما نائبه فوضع الحرب في صدارة تفسيره للهزيمة. وبين العبارتين يتحدد الخلاف الذي سيشغل الجمهوريين في العامين المقبلين: هل كانت الحرب تستحق كلفتها، ومن يتحمّل مسؤولية قرارها وإدارتها؟
في رواية فانس عن استطلاعات ما قبل الانتخابات، تفصيل يفسّر لماذا كانت الهزيمة أشد مما توقعه بعض الجمهوريين. فقد شارك كثيرون ممن صوّتوا لترامب وفانس عام 2024، لكنهم أعطوا أصواتهم هذه المرة لمرشحين ديمقراطيين. وبحسب خبير استطلاعات استشهد به فانس، تركزت إجابات هؤلاء عمّا قد يعيدهم إلى الحزب على أربعة مطالب: إنهاء الحرب مع إيران، والتركيز على تكاليف المعيشة، ووضع «أميركا أولاً»، وتغيير العلاقة مع إسرائيل.
تلتقي هذه المطالب عند سؤال الأولويات. فالناخب الذي يريد خفض فاتورة الوقود قد يحاسب الإدارة على حرب يرى أنها زادت تلك الفاتورة. والذي أخذ شعار «أميركا أولاً» على محمل الجد قد يسأل عن حدود ما تلتزم به واشنطن حيال إسرائيل. وإدراج فانس العلاقة مع إسرائيل بين أسباب انتقال بعض ناخبي ترامب إلى ا لديمقراطيين يضع هذه العلاقة في قلب النقاش الجمهوري حول الهزيمة. وحين أعاد دونالد ترامب الابن نشر كلام فانس وكتب «صحيح مئة في المئة»، ظهر أن هذا الاعتراض يجد صداه داخل الدائرة الأقرب إلى الرئيس.
في الجهة الأخرى من واشنطن، بات في وسع الديمقراطيين تحويل النقاش عن الحرب إلى مساءلة داخل الكونغرس. وكان حكيم جيفريز، زعيمهم في مجلس النواب، قد تعهّد قبل الانتخابات بأن يكون إخراج وزير الدفاع بيت هيغسيث من واشنطن من أولويات حزبه بعد استعادة الأغلبية. وقد انضم جمهوريون إلى مساعي المحاسبة، بينهم النائب توماس ماسي، الذي يقود، بحسب «بلومبرغ»، مسعى لتوجيه اتهام رسمي إلى الوزير تمهيداً لمحاكمته أمام مجلس الشيوخ.
قد يحتاج الديمقراطيون إلى أصوات جمهورية لعزل هيغسيث، إذ يتطلّب ذلك، بعد توجيه الاتهام في مجلس النواب، موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين. لكن الأغلبية الجديدة تتيح لهم عقد جلسات استماع وفتح تحقيقات في إدارة الحرب. وفي تلك الجلسات يمكن أن يُسأل مسؤولو البنتاغون عمّا قدّموه إلى الرئيس من تقديرات قبل بدء العمليات، وعن الأهداف التي وضعوها والكلفة التي توقّعوها، وعن الخيارات المتاحة اليوم لإنهاء الحرب أو توسيعها. ومن شأن الإجابات أن تبيّن أين تنتهي مسؤولية الوزير وأين تبدأ مسؤولية الرئيس.
لهذا قد يجد ترامب في إقالة هيغسيث، إذا اختارها، وسيلة لامتصاص بعض الضغط. لكن تغيير الوزير سيترك على مكتب الرئيس القرار الذي شطر حزبه: هل يواصل الحرب التي حمّلها نائبه مسؤولية الهزيمة، أم يعيد النظر فيها؟ لقد أقرّ ترامب بأن إيران ساهمت في الخسارة، فيما كان يدرس استئناف الضربات. وإذا مضى فيها، فسيطلب من جمهوريين خرجوا للتو من هزيمة قاسية أن يدافعوا مجدداً عن السياسة التي يقول نائب الرئيس إنها كلّفتهم الكونغرس.
ولفانس حسابه أيضاً. فكلما شدّد على أن الناخبين عاقبوا الجمهوريين بسبب الحرب، زاد الضغط عليه لتوضيح موقفه من القرار المقبل. وإذا ترشّح للرئاسة في 2028، فسيكون عليه أن يشرح ما فعله، وهو في الحكم، حيال الحرب التي شخّص كلفتها بهذه الصراحة. وقد يأتي أول اختبار قبل ذلك بكثير، حين يقرّر ترامب ما إذا كان سيأمر بضربة جديدة. عندها سيُسأل هيغسيث عمّا أوصى به، وفانس عمّا إذا كان يؤيّد قرار الرئيس.
