رفضت محكمة أمريكية دعاوى قدّمها إيلون ماسك ضد شركة “أوبن إيه آي” وكبار مسؤوليها التنفيذيين، متهما إياهم بخيانة رؤية مشتركة تقضي بأن تبقى المؤسسة غير ربحية ومكرسة لتوجيه تطوير الذكاء الاصطناعي بما يخدم البشرية.
ورأت هيئة محلفين مكوّنة من تسعة أعضاء أن ماسك انتظر مدة طويلة جدا قبل رفع دعواه، فتجاوز المهلة القانونية المحددة. وبعد محاكمة استمرت ثلاثة أسابيع، تداول المحلفون لأقل من ساعتين.
الملياردير ماسك، الذي كان من أوائل المستثمرين في شركة الذكاء الاصطناعي هذه، أقام دعوى قضائية ضد المدير التنفيذي لـ”أوبن إيه آي” سام ألتمان، ورئيسها غريغ بروكمان، وضد شركة “مايكروسوفت”، متهما إياهم بنقض اتفاق يقضي بالإبقاء على “أوبن إيه آي” منظمة غير ربحية تعود بالنفع على الإنسانية.
ويزعم ماسك أنه تعرّض للتضليل عندما حوّل ألتمان الشركة من مؤسسة غير ربحية إلى شركة هادفة للربح. وتقدَّر القيمة السوقية للشركة حاليا بنحو 1 تريليون دولار، ومن المتوقع طرحها في البورصة.
وأدّت هيئة المحلفين دورا استشاريا فحسب، غير أنّ القاضية إيفون غونزاليس روجرز تبنّت قرارها يوم الاثنين باعتباره قرار المحكمة نفسها، ورفضت دعاوى ماسك.
ونشر ماسك على منصة التواصل الاجتماعي “إكس” أنه سيقدّم استئنافا. وقال إن القاضية وهيئة المحلفين لم يبتّوا في جوهر القضية، بل في “مسألة تقنية تتعلق بالمواعيد” فقط.
وكتب: “لا شكّ لدى أي شخص يتابع القضية عن كثب في أنّ ألتمان وبروكمان قد أثرَيا أنفسهما فعلا من خلال السرقة من مؤسسة خيرية. والسؤال الوحيد هو: متى فعلا ذلك؟!”
وقال محامي ماسك، ستيفن مولو، إن الخلاف بين موكله و”أوبن إيه آي” بعيد عن أن يكون قد حُسم. وقارن حكم الاثنين بمحطات في التاريخ الأمريكي مثل حصار تشارلستون ومعركة بانكر هيل، التي كانت “خسائر كبرى للأمريكيين، لكن من الذي فاز في الحرب؟”
وسلّطت المحاكمة، التي جرت في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، الضوء على القطيعة المريرة بين عملاقي وادي السيليكون، وعلى بدايات “أوبن إيه آي”، التي أصبحت الآن شركة تقدَّر قيمتها بـ 852 مليار دولار (733 مليار يورو)، وتتجه نحو أن تصبح واحدة من أكبر عمليات الطرح العام الأولي في التاريخ.
وأكد ألتمان و”أوبن إيه آي” أنه لم يكن هناك تعهد بأن تبقى الشركة غير ربحية إلى الأبد. وقالا إن ماسك كان على علم بذلك، وإنه رفع دعواه لأنه لم يتمكن من فرض سيطرة منفردة على مطوّر الذكاء الاصطناعي الذي ينمو بسرعة.
وجادلت “أوبن إيه آي” بأن هدف الدعوى هو عرقلة نمو الشركة السريع وتعزيز شر كة “xAI” التابعة لماسك، التي أطلقها في 2023 كمنافس.
وخارج المحكمة يوم الاثنين، قال محامي “أوبن إيه آي” ويليام سافيت للصحفيين إن المحلفين اعتبروا الدعوى “اختلاقا متأخرا” يرقى إلى محاولة من ماسك لتخريب منافس “وللتغلب على تاريخ طويل من التنبؤات السيئة جدا بشأن ما كانت عليه “أوبن إيه آي” وما ستؤول إليه”.
ماذا قالت مايكروسوفت؟
وقالت شركة “مايكروسوفت”، وهي مستثمر في “أوبن إيه آي” وأحد المتهمين في دعوى ماسك، إنها ترحّب بالقرار وتظل “ملتزمة بعملنا مع “أوبن إيه آي” من أجل تطوير الذكاء الاصطناعي وتوسيعه لصالح الأفراد والمنظمات في أنحاء العالم”.
وكان ماسك يسعى إلى توجيه التعويضات التي يطالب بها إلى الجهود الإنسانية التي تقوم بها الذراع الخيرية لـ”أوبن إيه آي”، فضلا عن إقصاء ألتمان من مجلس إدارة الشركة. وساهم قرار ماسك وقف تمويل الشركة في تعميق الشرخ بين الحليفين السابقين. ويقول ماسك إنه كان يرد بذلك على سلوك تضليلي رصده مجلس إدارة “أوبن إيه آي” عندما أقال ألتمان من منصب الرئيس التنفيذي في 2023، قبل أن يستعيد منصبه بعد أيام قليلة.
وشهدت المحاكمة إدلاء ماسك وألتمان ويده اليمنى غ ريغ بروكمان بشهاداتهم، إضافة إلى الرئيس التنفيذي لـ”مايكروسوفت” ساتيا ناديلا، وعدد كبير من الشخصيات الأخرى في دائرة عمالقة التكنولوجيا.
وأبلغ ماسك المحلفين في اليوم الأول من بين ثلاثة أيام من إفادته أمام المحكمة: “أعتقد أنهم سيحاولون جعل هذه الدعوى… معقدة للغاية، لكنها في الواقع بسيطة جدا”، مضيفا: “وهي أنه لا يجوز سرقة مؤسسة خيرية”.
وزعمت دعوى ماسك أنه، إضافة إلى “الإخلال بالثقة الخيرية”، فقد أغنى ألتمان وبروكمان نفسيهما دون وجه حق من المكاسب التي تحققت مع ارتفاع قيمة الشركة المطوِّرة لـ”تشات جي بي تي” “ChatGPT”. وكشف بروكمان خلال المحاكمة أن حصته في “أوبن إيه آي” تبلغ نحو 30 مليار دولار.
مؤلم للغاية
تنافس ألتمان وماسك على تولي منصب الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي” في أعوامها الأولى. وقال ألتمان في شهادته إنه كانت لديه مخاوف من محاولات ماسك الحصول على مزيد من السيطرة على “أوبن إيه آي”، التي كانت تهدف إلى تطوير شكل من الذكاء الاصطناعي يتفوق على القدرات البشرية، يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام، وبشكل آمن.
وأضاف: “جزء من سبب تأسيسنا لـ”أوبن إيه آي” هو أننا لم نعتقد أن الذكاء الاصطناعي العام يمكن أن يكون تحت سيطرة شخص واحد، مهما حسنت نواياه”.
وسلّطت المحاكمة الضوء أيضا على إبعاد ألتمان من مجلس إدارة “أوبن إيه آي” في 2023، قبل أن يعود إلى دوره بعد بضعة أيام. وقال عدد من الشهود، بينهم عضوتان سابقتان في المجلس هما هيلين تونر وتاشا ماكولي، إن هناك مخاوف بشأن مدى صدقية ألتمان.
وقبيل نهاية شهادته، قال ألتمان إنه كان يكنّ تقديرا كبيرا لماسك قبل أن تسوء الأمور بينهما.
وأوضح: “شعرت بأنه قد تخلّى عنا، ولم يفِ بوعوده، ووضع الشركة في موقف بالغ الصعوبة، وعرّض رسالتها للخطر، ولم يعد يهتم حقا بالأمور التي كنت أظن أنه يهتم بها”.
وتابع: “لقد كان الأمر مؤلما للغاية بالنسبة إليّ… أن يرفض شخص كنت أكنّ له هذا القدر من الاحترام الاعتراف بذلك، ويواصل مهاجمتنا علنا”.
