“السيادي هو من يقرّر حالة الاستثناء”. بهذه العبارة اختصر المفكر السياسي كارل شميت مفهوم السيادة: ليس في إدارة الحياة السياسية ا ليومية، بل في امتلاك قرار الحسم عندما تدخل الدولة لحظة الخطر وتتوقف القواعد العادية عن العمل. والحرب، في جوهرها، هي أبرز تلك اللحظات. والدولة الحديثة تقوم أصلًا على احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل حدودها.
لذلك، لا تبدو السيادة واحتكار القوة مسألتين منفصلتين، بل وجهين لفكرة واحدة: من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يفرض الأمر الواقع عند لحظة الحسم.
إلّا أن المشرق العربي أنتج، خلال العقود الأخيرة، واقعًا يتحدّى هذه المفاهيم. فظهور الميليشيات، في سياقات مختلفة في لبنان والعراق وسوريا، خلق أنماطًا من السلطة تعايشت أحيانًا مع الدولة ونافستها أحيانًا أخرى على القرارات السيادية.
ومع تكيّف القوى الإقليمية والدولية مع هذا الواقع، على قاعدة “إدارة الترتيبات القائمة” بدل حسمها، برز توصيف هذا النموذج بوصفه شكلًا من “السيادة الهجينة” (hybrid sovereignty) أي سيادة تفاوض فيها الدولة، بشكل مستمر، مع الميليشيات على حدود سلطتها، بدل أن تفرضها بشكل حصري.
إلّا أن المشهد بدأ يتغير مع الانتقال من خطابات التكيّف إلى سرديات “إعادة بناء الدولة” و”حصر السلاح” و”بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها”. فهل عادت الدولة إلى بلدان المشرق بعد غياب، أم أن كلفة التعايش مع السيادة الهجينة باتت أعلى من قدرة الإقليم على إدارتها؟
الدولة كضرورة إقليمية
الأدق أن ما يتصاعد اليوم ليس مشروعًا سياسيًا متكاملًا بقدر ما هو خطاب أمني وتقني لإعادة تنظيم الإقليم. فهو لا ينبع من إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد بين الدولة ومجتمعاتها، بقدر ما ينبع من تحوّل إقليمي أوسع بات يحتاج إلى سلطات أكثر مركزية وقابلية للضبط والتفاوض.
منذ حرب غزة، عاد الحديث بقوة عن “شرق أوسط جديد”: تطبيع، وربط اقتصادي، وإعادة رسم موازين الردع والتحالفات. وفي قلب هذا التحول، يبرز سعي متزايد إلى تقليص نموذج النفوذ الإقليمي القائم على الميليشيات العابرة للدولة، الذي ارتبط خلال العقدين الماضيين بصعود النفوذ الإيراني في لبنان والعراق وسوريا. فالنظام الإقليمي الذي يتشكّل اليوم يبدو أقل قابلية للتعايش مع مساحات سيادية رخوة تتحرك داخلها ميليشيات متعددة، وأكثر ميلًا نحو دول مركزية يمكن ردعها أو التفاوض معها أو دمجها داخل ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع.
الحجة الاقتصادية لا تقلّ أهمية. فوجود ميليشيات لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها جعل أي استثمار جدي أو نمو اقتصادي حقيقي أمرًا شبه مستحيل. فالمستثمر يحتاج إلى جهة واحدة توقّع وتلتزم وتُحاسَب، وإلى دولة يمكن التفاوض معها. وحين يبقى الأمن موزعًا بين الدولة الرسمية والميليشيات الخارجة عن سيطرتها، تبقى المنطقة خارج دائرة الاقتصاد المنتج، بغض النظر عن حجم الثروات الطبيعية التي تحتضنها.
وتزداد المعادلة وضوحًا حين ندرك أن خطاب “بناء الدولة” نفسه بات شرطًا من شروط المانحين الدوليين وصناديق إعادة الإعمار. فالحصول على التمويل من الجهات الدولية مشروط بوجود مؤسسات حكومية يمكن التعاقد معها ومحاسبتها. بمعنى آخر، باتت “الدولة” شرطًا تقنيًا للوصول إلى المال الدولي قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا.
بين نهاية الفوضى وعودة الدولة
لا شك أن إنهاء الفوضى المفتوحة التي طبعت المنطقة خلال العقدين الماضيين بات حاجة سياسية وأمنية واقتصادية يصعب تجاوزها. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المنطقة تشهد فعلًا إعادة بناء للدولة بوصفها جهازًا سياسيًا جامعًا.
فما يتقدّم اليوم قد يكون، في كثير من الأحيان، إعادة تنظيم للسلطة أكثر مما هو إعادة تأسيس للدولة: سلطات أكثر قدرة على ضبط وإدارة الاستقرار والتفاوض داخل نظام إقليمي جديد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة بناء العقد السياسي بين الدولة ومجتمعاتها.
ولهذا، ربما لا يشهد المشرق اليوم عودة كاملة للدولة بقدر ما يشهد نهاية تدريجية لمرحلة السيادة الهجينة. لكن انتهاء هذه المرحلة لا يحتّم ولادة دول أكثر تمثيلًا أو تماسكًا، بل ربما فقط أنظمة أكثر قابلية للإدارة داخل شرق أوسط يُعاد تشكيله. فإنهاء الفوضى لا يبني بالضرورة استقرارًا قابلًا للحياة.
