في خطاب واضح النبرة ومباشر الرسائل، يقدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون ردًا سياسيًا متكاملًا على مواقف الأمين العام لـ حزب الله الشيخ نعيم قاسم، واضعًا المواجهة في إطارها الحقيقي: صراع على القرار الوطني، لا مجرد تباين في وجهات النظر.
كلام عون لا يأتي في فراغ، بل يتقاطع مباشرة مع خطاب قاسم الأخير الذي اتهم السلطة بـ”الخيانة” وبالعمل إلى جانب إسرائيل. إلا أنّ الرئيس يردّ بقلب المعادلة، معتبرًا أن الخيانة ليست في خيار التفاوض، بل في جرّ البلاد إلى حروب تخدم مصالح خارجية. هذا التحول في الخطاب يعكس انتقال السلطة من موقع الدفاع إلى الهجوم السياسي المباشر.
في جوهر موقفه، يرسّخ عون معادلة واضحة: وقف إطلاق النار أولًا، ثم التفاوض. وهو بذلك يقدّم نفسه كحامٍ للاستقرار، في مقابل خطاب التصعيد. كما يحرص على تثبيت شرعية المسار التفاوضي، عبر الإشارة إلى أنّه يجري ضمن غطاء دولي واضح، وبسقف محدد يمنع الاعتداءات الإسرائيلية، وفق ما ورد في التفاهمات المعلنة.
لكن البعد الأبرز في خطاب الرئيس يتمثل في تفكيك سردية “المقاومة” كما يطرحها الحزب. إذ يسأل بوضوح: هل كانت الحروب التي خيضت محل إجماع وطني؟ وهو سؤال يضرب في عمق شرعية القرار العسكري خارج الدولة، ويعيد طرح مسألة من يملك حق تقرير الحرب والسلم في لبنان.
وفي نقطة أكثر حساسية، يذهب عون إلى توصيف تلك الحروب بأنها “حروب الآخرين”، في إشارة ضمنية إلى ارتباطات إقليمية، خصوصًا مع إيران. هنا، لا يكتفي الرئيس بالرد، بل يضع خطًا فاصلاً بين مفهوم “الدفاع عن لبنان” و”الانخراط في صراعات الآخرين”، رافضًا أي تبرير للحروب التي لا تخدم المصلحة الوطنية المباشرة.
اللافت أيضًا أنّ عون يتبنّى خطابًا أخلاقيًا مضادًا، إذ يرفض اتهامات الخيانة ويعيد تعريفها: الخيانة، بحسب طرحه، هي في توريط البلاد في نزاعات خارجية، لا في البحث عن تسويات توقف النزيف. هذا التوصيف يهدف إلى سحب السلاح الرمزي من يد خصومه، وتحويله ضدهم.
في المقابل، لا يطرح الرئيس مسارًا تصادميًا داخليًا، بل يوازن بين رفض الحرب مع إسرائيل وتجنب الانفجار الداخلي. فهو يدفع نحو تسوية سياسية – دبلوماسية، مستندًا إلى نموذج “اتفاقية الهدنة”، في محاولة لتقديم بديل واقعي عن منطق المواجهة المفتوحة.
في المحصلة، يعكس خطاب عون بداية مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي العلني مع حزب الله. مرحلة لا تقتصر على التباين، بل تتجه نحو صراع على تعريف المصلحة الوطنية نفسها: بين دولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار عبر التفاوض، وتنظيم يرى في المواجهة خيارًا مستمرًا. وبين هذين المسارين، يقف لبنان أمام اختبار مصيري مفتوح على كل الاحتمالات.
مواقف عون
وقال عون اليوم خلال أمام وفد من حاصبيا والعرقوب استقبله في القصر الجمهوري
أبلغنا الجانب الأميركي القائم بمساعيه، مشكورًا، ومنذ اللحظة الأولى، أنّ وقف إطلاق النار هو خطوة أولى ضرورية لأي مفاوضات لاحقة، وهذا ما كررناه في الجلستين اللتين عُقدتا على مستوى السفراء في 14 و23 نيسان، وهو ما كان قد ورد بشكل واضح في البيان الذي صدر عن الخارجية الأميركية بعد الجلسة الأولى، والذي أكدنا عليه، ونصّ في فقرته الثالثة على أنه “لن تقوم إسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة في الأراضي اللبنانية برًا وبحرًا وجوًا”.
هذا هو الموقف الرسمي للدولة اللبنانية مما يحصل في لبنان أو في واشنطن، وأي كلام آخر غير معنيين به، ولا توجد أي تغطية رسمية لبنانية له.
يُحاسبنا البعض أننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني، وأنا أسأل: هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولًا بالإجماع الوطني؟
قبل بدء المفاوضات، بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادعاء أننا نذهب إلى المفاوضات مستسلمين. نقول لهؤلاء: انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة.
إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران؟ فلو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان لكنا أيّدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيقًا لمصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تمامًا.
ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقًا لمصالح خارجية.
واجبي هو أن أتحمل مسؤولية قراري وأقود بلادي على طريق الخلاص، ضمن الثوابت التي أكدت عليها، وهدفي هو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة. فهل اتفاقية الهدنة كانت ذلًا؟ أنا لن أقبل بالوصول إلى اتفاقية ذلّ.
