كشفت دراسة جديدة على فئران تحمل في أمعائها بكتيريا مأخوذة من أشخاص أصحاء، أن تناول كميات شديدة الارتفاع أو الانخفاض من الملح قد يرتبط بضعف بعض وظائف الذاكرة.
لكن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تعني أن الأمر يحدث بالطريقة نفسها لدى البشر، إذ إن التجربة أجريت على الحيوانات، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على أن تغيير كمية الملح في النظام الغذائي للإنسان يؤدي مباشرة إلى ضعف الذاكرة.
ثلاثة أنظمة غذائية
أجرى الباحثون التجربة على فئران زُرعت في أمعائها بكتيريا بشرية، بعد تقليل البكتيريا الموجودة لديها باستخدام المضادات الحيوية.
ثم قُسمت الفئران إلى ثلاث مجموعات، تناولت لمدة 14 أسبوعًا أنظمة غذائية مختلفة من حيث كمية الملح:
نظام يحتوي على كمية معتدلة من الملح.
نظام منخفض جدًا بالملح.
نظام مرتفع جدًا بالملح.
وأظهرت الاختبارات أن الفئران التي تناولت النظام شديد الانخفاض أو شديد الارتفاع بالملح كان أداؤها أضعف في بعض اختبارات الذاكرة، مقارنة بالفئران التي تناولت النظام المعتدل.
كيف يمكن أن تكون الأمعاء مرت بطة بالذاكرة؟ ركز الباحثون على ما يُعرف بمحور الأمعاء-الدماغ، أي العلاقة المتبادلة بين الجهاز الهضمي والدماغ.
وتعيش في الأمعاء مليارات البكتيريا التي تنتج مواد مختلفة أثناء نشاطها، ويمكن لبعض هذه المواد أن تؤثر في وظائف الجسم.
وخلال التجربة، لاحظ الباحثون تغيرًا في تركيبة بكتيريا الأمعاء لدى الفئران التي تناولت كميات شديدة من الملح، إلى جانب انخفاض بعض المواد التي تنتجها هذه البكتيريا.
كما رُصد انخفاض في بعض البروتينات المرتبطة بالوصلات بين الخلايا العصبية في منطقة الحُصين، وهي منطقة في الدماغ ترتبط بتكوين الذكريات والتعلم.
الملح المرتفع والمنخفض.. تأثيران مختلفان
المثير في النتائج أن ضعف الذاكرة ظهر لدى الفئران في مجموعتي الملح المرتفع والمنخفض، لكن يبدو أن التغيرات التي صاحبت ذلك لم تكن متطابقة.
ففي المجموعة التي تناولت كمية كبيرة جدًا من الملح، ظهرت تغيرات مرتبطة ببكتيريا معوية معينة، إلى جانب مؤشرات على زيادة الالتهاب في الجسم وتغيرات في عملية استقلاب الدهون.
أما في المجموعة التي تناولت كمية منخفضة جدًا من الملح، فلم يلاحظ الباحثون وجود التهاب عام بالطريقة نفسها، وارتبطت التغيرات بشك ل أكبر بانخفاض بعض المواد التي تنتجها بكتيريا الأمعاء.
وهذا يشير إلى أن الوصول إلى النتيجة نفسها، وهي ضعف الأداء في اختبارات الذاكرة، قد يحدث عبر مسارات بيولوجية مختلفة.
هل يجب أن نقلل الملح أو نزيده؟
هنا تكمن النقطة الأهم: الدراسة لا تعني أن تقليل الملح يضر الذاكرة، ولا أن تناول المزيد منه مفيد للدماغ.
فالتجربة أجريت على الفئران، واستخدم الباحثون مستويات غذائية متطرفة لا يمكن تحويلها مباشرة إلى كمية من الملح يُنصح الإنسان بتناولها يوميًا.
كما أن وجود بكتيريا بشرية في أمعاء الفئران لا يجعلها مطابقة للإنسان من حيث طريقة استجابتها للطعام أو التغيرات التي تحدث داخل الجسم.
لذلك، لا تقدم الدراسة سببًا لتغيير النظام الغذائي أو إضافة الملح إلى الطعام بهدف حماية الذاكرة.
ماذا تقول التوصيات الغذائية؟
توصي منظمة الصحة العالمية البالغين بألا يتجاوز استهلاكهم 5 غرامات من الملح يوميًا من جميع المصادر، أي ما يعادل نحو ملعقة شاي صغيرة، مع احتساب الملح الموجود في الأطعمة المصنعة والخبز والصلصات، وليس فقط الملح الذي نضيفه أثناء الطبخ.
وتفتح الدراسة بابًا جديدًا أمام الباحثين لفهم العلاقة بين الطعام وبكتيريا الأمعاء والدماغ، لكنها لا تغير التوصيات الغذائية الحالية.
وبعبارة بسيطة، النتيجة المهمة ليست أن الملح القليل أو الكثير يسبب فقدان الذاكرة لدى الإنسان، وإنما أن العلاقة بين الغذاء والأمعاء والدماغ تبدو أكثر تعقيدًا مما نعتقد، وتحتاج إلى دراسات على البشر للتأكد من طبيعتها.
