هل تشعرون أنكم لا تفعلون ما يكفي أبدًا؟ وأنكم لستم “أهلًا صالحين بما فيه الكفاية”؟ قد تمنحكم كلمات هذه الطبيبة المتخصصة في الطب النفسي للأطفال بعض الارتياح.
عندما نصبح أهلًا، نرغب بطبيعة الحال في تقديم الأفضل لأطفالنا. فنقرأ، ونستمع إلى البودكاست، ونتابع الحسابات المتخصصة، ونقارن بين أساليب التربية… لنجد أنفسنا أحيانًا أمام نصائح متناقضة تمامًا. بين المدارس التربوية المختلفة، وتوصيات الخبراء، وانتقادات المحيطين بنا، يصبح من الصعب معرفة ما يجب فعله. والنتيجة: شكوك مستمرة وشعور كبير بالذنب.
تؤكد دراسة أُجريت عام 2024 في مستشفى الأطفال في شيكاغو وشملت ألفًا من أهالي جيل الألفية، أن 85% منهم يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق توقعات غير واقعية في ما يتعلق بالتربية. والأكثر دلالة أن 30% من الأمهات اعترفن بأنهن يقارنّ “أداءهنّ كأمهات” بأداء غيرهن عبر الإنترنت. لقد حوّلت وسائل التواصل الاجتماعي الأبوة والأمومة إلى واجهة عرض. وأمام صور العائلات المثالية، يشعر كثير من الأهالي أنهم ليسوا على المستوى المطلوب.
لكن الطبيبة النفسية للأطفال سوزان سونغ، مؤلفة كتاب “Why We Suffer and How We Heal”، تؤكد العكس تمامًا.
خصصوا وقتًا للعب
بحسب سوزان سونغ، فإن التخفف من الشعور بالذنب يحرر الإنسان عاطفيًا ويمنحه طاقة للاستمتاع بحياته العائلية. ونصيحتها بسيطة وربما مفاجئة: العبوا أكثر!
تقول: “كلما شجعنا البالغين والأهل على اللعب، ابتعدنا عن فكرة الكمال، لأن اللعب ليس موجّهًا نحو هدف”.
في يوميات مزدحمة بالعشاء والحمّام والواجبات المدرسية ومتطلبات العمل، يبدو الوقت غير كافٍ للمتعة. ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذه اللحظات هو الأهم. الرقص أثناء تحضير الطعام، الضحك خلال وقت الاستحمام، اختراع قصة طريفة قبل النوم… هذه اللحظات العفوية أثمن بكثير من جدول منظم بإتقان. فاللعب يغذي الرابط العاطفي، ويحفّز الإبداع، ويعزز ثقة الطفل بنفسه. كما يسمح للأهل بالتخفيف من الضغط الذي يفرضونه على أنفسهم.
تجرؤوا على ألا تكونوا أهلًا مثاليين
إن الضغوط المرتبطة بصورة “الأهل المثاليين”، والتي تضخمها وسائل التواصل الاجتماعي، تغذي توترًا دائمًا. وهذا المناخ من التوقعات العالية يمنع أحيانًا من الاستمتاع بما هو مهم فعلًا.
وللخروج من هذه الدوامة، تقترح سوزان سونغ قاعدة بسيطة ومحرِّرة: بدل السعي إلى أن تكونوا أهلًا مثاليين، اخفضوا السقف. قولوا لأنفسكم اليوم: سأكون والدًا عاديًا.
قد تبدو نصيحة غير متوقعة، لكنها فعالة للغاية. فقبول عدم السعي الدائم إلى الامتياز يعني السماح لأنفسنا بأن نكون بشرًا. يعني إدراك أن الخطأ جزء من الطريق. والأهم أنه يمنح أطفالنا نموذجًا ثمينًا: إذا لم يكن أهلهم مثاليين، فهم أيضًا ليسوا مضطرين إلى أن يكونوا كذلك.
ربما يكون أجمل ما يمكن أن نقدمه لأطفالنا ليس الكمال، بل حضورًا مفعمًا بالفرح، غير مثالي، وصادقًا. وهذا ينسجم مع مفهوم “الأهل الجيدين بما فيه الكفاية” الذي طوّره الطبيب النفسي الشهير دونالد وينيكوت، والذي يرى أن الطفل ينمو في مساحة لعب آمنة. فاللعب ليس ترفًا إضافيًا، بل حاجة أساسية للنمو العاطفي.
اعتمدوا هذه المبادئ البسيطة في حياتكم، وستتمكنون من تغيير أجواء عائلتكم بشكل مستدام، ومنح الجميع فرصة حقيقية للازدهار.
