لم يعد الجندي في ساحات القتال الحديثة مضطراً إلى انتظار منظومات الدفاع الجوي البعيدة لحمايته من المسيّرات. فالتطور الأبرز الذي تفرضه حروب أوكرانيا وإسرائيل هو انتقال مكافحة المسيّرات إلى مستوى الجندي نفسه، عبر معدات خفيفة وقابلة للارتداء تستطيع اكتشاف المسيّرة والتحذير منها والتشويش عليها.
وتُظهر مجموعة من الاختبارات والتدريبات العسكرية الأخيرة أن هذه التكنولوجيا بدأت تنتقل من ساحات القتال إلى القوات الأميركية في أوروبا، في محاولة لمنح الجندي درعاً شخصياً ضد المسيّرات التي أصبحت من أخطر الأسلحة في الحروب الحديثة.
وتشمل هذه المنظومات أجهزة استشعار صغيرة تُثبت على التجهيزات القتالية وتكشف المسيّرات القريبة، إلى جانب أجهزة تشويش محمولة يمكنها قطع الاتصال بين المسيّرة ومشغّلها أو تعطيل بعض أنظمة التحكم والملاحة فيها.
والفكرة الأساسية بسيطة لكنها تمثل تحولاً كبيراً في ساحة المعركة: بدلاً من حماية الوحدة العسكرية من المسيّرات، يحصل كل جندي تقريباً على قدرة أولية على حماية نفسه منها.
هذه الخبرة اكتسبت زخماً كبيراً من الحرب الروسية ـ الأوكرا نية، حيث تحولت المسيّرات الصغيرة، وخصوصاً مسيّرات FPV، إلى سلاح متاح بأعداد كبيرة وقادر على استهداف الجنود والمركبات والمدفعية بدقة. كما طورت إسرائيل خلال عملياتها العسكرية في غزة وسائل متقدمة لاكتشاف المسيّرات الصغيرة والتعامل معها في بيئة حضرية ومعقدة.
وفي أوروبا، يختبر الجيش الأميركي بدوره معدات محمولة لمكافحة المسيّرات ضمن تدريبات تهدف إلى استخلاص الدروس من ساحات القتال الفعلية. وتتركز التجارب على منح الوحدات الصغيرة القدرة على اكتشاف التهديد والتعرف إليه والتعامل معه من دون انتظار وصول منظومة دفاع جوي متخصصة.
ويكتسب هذا التطور أهمية أكبر مع انتقال المسيّرات نفسها إلى مستوى جديد من الاستقلالية. فبعض الأنظمة الحديثة باتت قادرة على استخدام الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي لمواصلة تعقب الهدف حتى في ظروف التشويش أو فقدان الاتصال بالمشغّل.
وهكذا بدأ سباق جديد في الحرب: المسيّرة التي تبحث عن الجندي في مواجهة جندي يحمل معه التكنولوجيا التي تبحث عن المسيّرة.
وهذه ربما تكون إحدى أهم نتائج حروب السنوات الأخيرة: لم تعد الحماية من المسيّرات حكراً على بطاريات الدفاع الجوي الكبيرة، بل بدأت تتحول إلى جزء من التجهيز الشخصي للجندي، تماماً كما أصبحت الخوذة والد رع الواقي جزءاً من بقائه على قيد الحياة.
وإذا نجحت هذه التكنولوجيا في الانتشار على نطاق واسع، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة تحولاً في مفهوم المشاة نفسه: جندي يحمل سلاحه، ووسائل اتصاله، وأجهزة الاستشعار الخاصة به، و«درعه الإلكتروني» الصغير ضد السماء.
