منذ أن دخلت الكاميرا إلى جيوبنا، تغيّر شكل علاقتنا بالعالم، لم نعد نعيش اللحظة بقدر ما بتنا نوثّقها، ولم نعد نكتفي بالنجاة من الخطر، بل صرنا نبحث عن لقطة تُثبت أننا اقتربنا منه. ومع انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، ارتفعت نسبة الحوادث المرتبطة بالتصوير، من “السيلفي” على حواف الجبال، إلى الاقتراب من حيوانات مفترسة لا تعرف الرحمة ولا تعترف بعدسة.
آخر هذه الوقائع ما حصل مساء الجمعة الماضي مع متزلجة في مقاطعة فويون، على طول الحدود الشمالية للصين مع منغوليا. اقتربت السيّدة من نمر الثلج لالتقاط صورة.. مشهد يوحي بالجرأة.. لكنه في الحقيقة مقامرة بالحياة! ثوانٍ قليلة كانت كافية لينقض الحيوان عليها، فتنجو بأعجوبة، لكنها دفعت ثمن الصورة جروحًا بالغة في وجهها، وربما ندوبًا سترافقها طيلة حياتها.
https://x.com/mdtlion/status/2015976663373513103?s=20
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا هذه المخاطرة؟
الجواب لا يكمن في حب المغامرة وحده، بل في ثقافة كاملة صنعتها “اللايكات” والمشاهدات، إذ لم تعد الصورة مجرّد ذكرى شخصية، بل أضحت بطاقة عبور إلى الإعجاب الرقمي. أضف إلى ذلك وهم السيطرة، فالكاميرا توحي للإنسان بأنه جزء من الحدث لا بل صانعه.
والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه الحوادث لا تقتل صاحب الصورة فقط، بل تؤدي أحيانًا إلى قتل الحيوان نفسه “دفاعًا عن النفس” أو “حمايةً للسياح”، فيدفع الطرفان ثمن لحظة تهوّر واحدة.
“ومن الصورة ما قتل” ليست عبارة مجازية، إنها توصيف دقيق لزمن بات فيه الإنسان مستعدًا للمخاطرة بوجهه، بجسده، وحتى بحياته، مقابل إطار يُنشر على شاشة.
وربما آن الأوان لنسأل أنفسنا، هل تستحق صورة واحدة أن نضع حياتنا على المحك؟ وهل اللحظة التي لا تُصوَّر تفقد معناها فعلًا؟ أم أننا نسينا ببساطة كيف نعيش… من دون عدسة؟
