"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

ولاية الفقيه… هل هي عقيدة شيعية أم نظرية فقهية محل خلاف؟

نيوزاليست
الثلاثاء، 30 يونيو 2026

ولاية الفقيه… هل هي عقيدة شيعية أم نظرية فقهية محل خلاف؟

سعود المولى

يعتقد كثير من اللبنانيين، ولا سيما من غير الشيعة، أن ولاية الفقيه تمثل ركناً من أركان العقيدة الشيعية، وهو انطباع تعزز خلال العقود الماضية بفعل الخطاب السياسي والإعلامي لـ”حزب الله” والجمهورية الإسلامية في إيران، اللذين غالباً ما يقدمان أي اعتراض على ولاية الفقيه باعتباره مساساً بالمذهب الشيعي نفسه.

إلا أن هذا التصور لا يعكس حقيقة الخلاف داخل الفقه الشيعي.

فـ”ولاية الفقيه العامة” أو “المطلقة” ليست من مسائل العقيدة والإيمان، بل هي نظرية فقهية وسياسية تتعلق بكيفية إدارة المجتمع والدولة في عصر غيبة الإمام المهدي، وقد بقيت ولا تزال محل خلاف واسع بين كبار علماء الشيعة، بل إن أغلبية المراجع التقليديين رفضوها بصيغتها التي تمنح الفقيه سلطة سياسية مطلقة.

ما هي ولاية الفقيه؟

بالمعنى المبسط، تعني ولاية الفقيه أن يتولى الفقيه الجامع للشرائط النيابة عن الإمام المهدي في فترة الغيبة لإدارة شؤون المجتمع.

غير أن الخلاف الحقيقي ليس حول وجود نوع من الولاية للفقيه، وإنما حول حدود هذه الولاية:

  • هل تقتصر على الإفتاء والقضاء وبعض الشؤون الدينية والاجتماعية؟
  • أم تشمل الحكم السياسي الكامل وإدارة الدولة وإعلان الحرب والسلم وفرض السياسات العامة؟

وهنا ينقسم الفقه الشيعي إلى مدرستين واضحتين.

المدرسة التقليدية: الولاية في حدود “الأمور الحسبية”

يرى غالبية فقهاء الشيعة التقليديين أن للفقيه ولاية محدودة فيما يعرف بـ”الأمور الحسبية”، أي الأعمال التي لا يجوز شرعاً تركها بلا مسؤول.

ومن أبرزها:

  • القضاء بين الناس.
  • الإفتاء.
  • إدارة الأوقاف.
  • رعاية الأيتام والقاصرين.
  • إدارة أموال الغائبين.
  • حماية بعض المصالح العامة التي لا تحتمل التعطيل.

ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن هذه الصلاحيات منحت للفقيه من باب الضرورة الاجتماعية، وليس لأنها تمنحه سلطة سياسية عامة.

المدرسة الخمينية: ولاية الفقيه العامة أو المطلقة

أما النظرية التي تبناها الإمام روح الله الخميني، ثم أصبحت أساس النظام الإيراني، فتذهب إلى أن الفقيه الجامع للشرائط يملك في عصر الغيبة الولاية العامة التي تخوله ممارسة صلاحيات الدولة كافة.

وتشمل هذه الصلاحيات:

  • قيادة الدولة.
  • تعيين كبار المسؤولين.
  • إعلان الحرب والسلم.
  • إدارة القوات المسلحة.
  • فرض السياسات العامة.
  • إصدار الأحكام الحكومية التي قد تتقدم على الفتاوى الفردية.

وبذلك يصبح الفقيه الحاكم السياسي الأعلى، وتكون طاعته واجبة ضمن هذا التصور.

هل تمثل هذه النظرية إجماعاً شيعياً؟

الجواب: لا.

فنظرية ولاية الفقيه المطلقة بقيت موضع رفض لدى أغلبية كبار المراجع الشيعة، سواء في النجف أو في قم، باستثناء المدرسة المرتبطة بالخميني ثم بخامنئي.

بل إن أكثرية مقلدي الشيعة في العراق ولبنان والخليج، وحتى داخل إيران، يتبعون في التقليد الديني مراجع لا يتبنون الولاية المطلقة، وفي مقدمتهم السيد علي السيستاني.

الجذور التاريخية للموقف الشيعي

أولاً: الفقهاء المتقدمون

استقر رأي كبار الفقهاء الأوائل، مثل:

  • الشيخ المفيد.
  • السيد المرتضى.
  • الشيخ الطوسي.

على أن إقامة الدولة الإسلامية الكاملة في عصر الغيبة ليست من صلاحيات الفقهاء، وإنما ترتبط بظهور الإمام المهدي.

ثانياً: الشيخ مرتضى الأنصاري

يعد الشيخ مرتضى الأنصاري (توفي 1864) من أبرز فقهاء المدرسة التقليدية.

وفي كتابه “المكاسب” رفض التوسع في صلاحيات الفقيه، معتبراً أن الأدلة الشرعية لا تثبت للفقيه ولاية عامة على دماء الناس وأموالهم، وأن ولايته تقتصر على الموارد التي ثبتت بدليل خاص.

مواقف أبرز المراجع المعاصرين

السيد محمد كاظم شريعتمداري

كان من أبرز المعارضين لولاية الفقيه المطلقة، ودعا إلى:

  • دولة دستورية.
  • سيادة الشعب.
  • دور إشرافي للعلماء دون تولي السلطة التنفيذية.
  • رفض احتكار السلطة باسم الدين.

السيد حسين البروجردي

مثّل المدرسة الحوزوية التقليدية التي:

  • فرّقت بين الدين والدولة.
  • حصرت ولاية الفقيه بالأمور الحسبية.
  • رفضت إقامة حكم ثيوقراطي يقوده رجال الدين.

السيد محمود طالقاني

رأى أن:

  • تركيز السلطة بيد فقيه واحد يقود إلى الاستبداد الديني.
  • الشورى والمجالس المنتخبة هي الأساس.
  • دور العلماء يجب أن يكون الإرشاد والرقابة لا الحكم المباشر.

الشيخ حسين علي المنتظري

كان من أبرز منظري ولاية الفقيه، ثم عدّل موقفه لاحقاً.

وأصبح يقول إن:

  • شرعية الحاكم تأتي من انتخاب الناس.
  • ولاية الفقيه يجب أن تكون مقيدة بالدستور.
  • الفقيه يمارس دور الإشراف لا الاحتكار الكامل للسلطة.

موقف مدرسة النجف

تتبنى المرجعية النجفية الموقف التقليدي الرافض لولاية الفقيه المطلقة.

ومن أبرز ممثليها:

السيد أبو القاسم الخوئي

حصر ولاية الفقيه في الإفتاء والقضاء وبعض الشؤون الحسبية.

السيد علي السيستاني

يرى أن الولاية لا تتجاوز الأمور الحسبية، وأن أي تدخل في الشأن العام يحتاج إلى قبول المجتمع وإرادة الناس، ولا يستند إلى تفويض إلهي بالحكم.

السيد محسن الحكيم

رفض أن يكون حكم الدولة من اختصاص الفقهاء في عصر الغيبة.

الشيخ محمد إسحاق الفياض

يؤكد أن إقامة الدولة والسلطة السياسية من اختصاص الإمام المعصوم، وأن وظيفة الفقيه هي الإرشاد والقضاء والفتوى.

الشيخ بشير النجفي

يحصر ولاية الفقيه في القضاء والإفتاء والأمور الحسبية، ويرفض التوسع إلى السلطة السياسية المطلقة.

شخصيات شيعية عربية رفضت الولاية المطلقة

كما عارض هذه النظرية عدد من أبرز العلماء والمفكرين الشيعة العرب، منهم:

  • الإمام موسى الصدر.
  • الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
  • الشيخ محمد جواد مغنية.
  • الشيخ عبد الأمير قبلان.
  • السيد علي الأمين.
  • الشيخ صبحي الطفيلي.
  • السيد محمد حسن الأمين.
  • السيد هاني فحص.

وقد دافع معظم هؤلاء عن فكرة الدولة المدنية أو الدستورية، مع دور ديني وأخلاقي للمرجعية، من دون أن تتحول إلى سلطة سياسية مطلقة.

الخلاصة

يبين تاريخ الفقه الشيعي أن الخلاف ليس حول أصل وجود ولاية للفقيه، وإنما حول مداها وحدودها.

فالمدرسة التقليدية، التي يمثلها معظم مراجع النجف وعدد كبير من علماء قم، تقصر الولاية على الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية، وترى أن السلطة السياسية الكاملة ليست من صلاحيات الفقيه في عصر الغيبة.

أما نظرية ولاية الفقيه العامة أو المطلقة، التي أصبحت الأساس الدستوري للنظام في إيران، فهي اجتهاد فقهي وسياسي تبناه الإمام الخميني، ثم استمر مع السيد علي خامنئي، لكنها لم تتحول إلى محل إجماع داخل المؤسسة الدينية الشيعية، بل بقيت موضع خلاف فقهي واسع بين كبار المراجع حتى اليوم.

بتصرف عن تدويناته في صفحته على “فايسبوك”

المقال السابق
عودة التصعيد إلى جنوب لبنان: استهداف وحرق منازل وغارات وقصف مدفعي إسرائيلي
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

عن «الصورة» في السياسة والمفاوضات

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية