"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الإبداع في قبضة الجمهور

نيوزاليست
الثلاثاء، 23 يونيو 2026

الإبداع في قبضة الجمهور

تمارا خزوز- نقطة واول السطر

هل أصبح الإنتاج الفكري والإبداعي، في عصر التقنية الحديثة، أسيرَ التفاعل الفوري مع الجمهور؟ وهل باتت سرعة هذا التفاعل تقوّض أصالة المنتج وتفردّه؟

تخيّل معي، عزيزي القارئ، الأديبَ العالمي نجيب محفوظ يمتلك حسابًا على “فيسبوك” في زمنه؛ هل كان سيكتب “الثلاثية” و”أولاد حارتنا” بالروح ذاتها، وينال جائزة نوبل عن مجمل أعماله؟

وإذا كان السؤال مشروعاً في عالم الأدب، فهو لا يقل وجاهة عند الانتقال إلى السينما والفنون. فماذا لو انخرط مارلون براندو، بطل فيلم العرّاب، في عالم وسائل التواصل الاجتماعي وخضع لمقاييس التفاعل اللحظي، ليكتشف مثلاً أن مقاطع الـReels الخاصة به لا تحصد التفاعل ذاته الذي حصدته رقصة أنطوني كوين الآسرة في فيلم زوربا اليوناني، أو الأداء الأسطوري الذي قدّمه آل باتشينو في مشهد التانغو الشهير من فيلم عطر امرأة، رغم أن الشخصية التي يجسدها فاقدة للبصر.

ويزداد هذا التصوّر وضوحاً عند إسقاطه على نماذج عربية، لا سيما في السياق المصري، حيث يمكن استحضار أعمال خالدة شكّلت وعي أجيال كاملة؛ فلو أن مسلسلات مثل ليالي الحلمية لأسامة أنور عكاشة، إلى جانب أفلام مفصلية في تاريخ السينما المصرية مثل الكرنك والعصفور، قد خضعت لمؤشرات التفاعل اللحظي، مضافةً إلى الرقابة الفنية الخانقة، لشاهدنا على الأرجح نسخاً ممسوخة من تلك الأعمال.

فالمبدع، في تلك الحالة، لا يواجه رقابة مؤسسية فحسب، بل يجد نفسه أيضاً تحت رقابة جمهور لحظية لا تقل أثراً. وعندها تضيق مساحة الاجتهاد وتخبو جرأة الطرح، لتُعاد صياغة الأعمال بما يوافق المقبول جماهيرياً ورقابياً، ولو جاء ذلك على حساب تفرّدها وقيمتها الإبداعية.

ولعل يوسف شاهين وحده لم يكن ليُهادن في تلك الحالة، بل كان سيتعامل مع الجمهور بوصفه خصماً لا متلقياً؛ فقد عُرف عنه أسلوبٌ صدامي حاد، ومن المرجّح أنه كان سيدخل في اشتباك مفتوح مع مستخدمي الشبكة العنكبوتية جميعًا في آنٍ واحد، أو على الأقل، لن يتردد في “حجب” جمهوره كاملًا.

وقد يخطر ببالك، عزيزي القارئ، أن التفاعل المباشر مع الجمهور ليس جديداً، كما في العروض المسرحية والغنائية؛ والجواب: فيروز، التي شكّلت حالة فنية وثقافية خاصة بها، فانجذب إليها الجمهور وخضع لشروطها لا العكس. وجعلت من الاقتصاد في الحركة والصوت والملامح طاقةً تعبيرية مكتملة. فإذا جادت فيروز بابتسامة وهي على المسرح، هاج الجمهور وكأنه قد التقط منها ذبذبات أو شيفرة من نوع خاص.

لا يُقصد من هذا الكلام، بالطبع، التقليل من قيمة الجمهور أو من حقه في التفاعل مع العمل وتأويله، بل إن الأصل في الإنتاج الفكري والفني أن يصبح ملكاً للجمهور. غير أن هذه الملكية تأتي على هيئة إرث أو تركة، لا على شكل شراكة. فالجمهور يمتلك العمل بعد اكتماله، ويتفاعل معه ويؤوّله كما يشاء، دون أن يتدخل في صناعته أو تشكيله.

لكن ما يحدث اليوم أن الحدود الفاصلة بين الملكية والشراكة لم تعد واضحة، والتطور التقني سمح للجمهور، بدرجات متفاوتة، أن يكون طرفاً مؤثراً في تشكيل المنتج نفسه، والتأثير في مساره أثناء إنتاجه.

ولعل الدراما التركية تكشف ذلك بوضوح؛ إذ أصبحت نسب المشاهدة الأسبوعية عاملاً مؤثراً في مصير الشخصيات، وعدد الحلقات، وأحياناً في استمرار العمل نفسه أو إيقافه. ولم يعد الكاتب يكتب وهو معزول عن ردود الفعل، بل بات يراقب مؤشرات الرضا والغضب والتفاعل بالتوازي مع تطور الأحداث، ما يجعل الجمهور حاضراً، بصورة غير مباشرة، في غرفة الكتابة نفسها.

ولا يقتصر الأمر على الدراما. ففي عالم الموسيقى أيضاً، فرضت المنصات الرقمية إيقاعها الخاص على شكل الأغنية ومدتها، حتى أصبح الفنان مطالباً بخطف انتباه المستمع خلال ثوانٍ معدودة قبل أن ينتقل إلى عمل آخر.

والمقلق أن هذا التأثير قد وصل إلى الصحافة الرقمية أيضاً، فلم تعد العناوين تُصاغ دائماً لتلخص المحتوى أو تعكس أهميته، بل لتنجح أولاً في اجتذاب النقرات والظهور ضمن دوامة التفاعل المتسارع، الأمر الذي أسهم، في كثير من الأحيان، في تراجع المعايير المهنية لحساب منطق الجذب والإثارة.

أما منصات البث الحديثة، فقد ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ لم تعد تكتفي بقياس نجاح الأعمال، بل أصبحت تعتمد على بيانات المشاهدة المتراكمة في تحديد نوعية الأعمال التي ستُنتج مستقبلاً. وهكذا تحولت الأرقام من أدوات لقياس النجاح إلى أدوات للمشاركة في صناعته.

لعل التحدي الحقيقي لا يكمن في حق الجمهور في التفاعل، بل في تحوّل هذا التفاعل إلى عامل مؤثر في تشكيل العمل قبل اكتماله. فليس كل تأثير يثري الإبداع، ولا كل تفاعل يضيف إليه.

وقد تكون العودة إلى أصول النقد المتخصص وقواعده المهنية إحدى وسائل استعادة هذا التوازن، إذا ما مُنح الإنتاج الفكري والإبداعي فرصةً ليكتمل أولاً، قبل أن تبدأ التدخلات والمحاكمات.

المقال السابق
حريق مستودع اوجيرو… لماذا تحوم الشكوك حول "حزب الله"؟
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

كتاب أميركي يكشف: ترامب صرخ في وجه نتنياهو قبل اتفاق غزة… “الجميع سئم منك يا بيبي”

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية