يشكّل الاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن في 29 أيار بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي محطة تتجاوز البُعد التفاوضي البحت، إذ يسلّط الضوء على التحوّل الجاري في دور الجيش اللبناني داخل المعادلة الأمنية اللبنانية، في لحظة دخل فيها لبنان مرحلة ما بعد “جيش وشعب ومقاومة” وما حملته هذه المعادلة لعقود من غطاء سياسي ورسمي لحزب الله. وقد انحصر دور الجيش اللبناني على إدارة الاستقرار والتنسيق الأمني ضمن واقع أمني قائم، فيما تصدّرت مفاهيم “المقاومة” المشهد الأمني وحددت قواعد التهديد واستخدام القوة على الحدود الجنوبية بشكل خاص.
في هذا السياق، لا تكمن أهمية الاجتماع فقط في مخرجاته، بل أيضًا في رمزيته وما يكشفه عن الدور المتغيّر للجيش اللبناني داخل المعادلة الأمنية الجديدة.
الجيش من منسّق أمني إلى فاعل في صياغة الترتيب الأمني
تكمن إحدى أبرز دلالات الاجتماع في أن الجيش اللبناني لم يعد يُستدعى فقط لتنفيذ الترتيبات الأمنية بعد الاتفاق عليها، بل بات يشارك، ولو بشكل غير متكافئ، في النقاش حول صياغة هذه الترتيبات نفسها. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، ارتبط دور المؤسسة العسكرية، وخصوصًا في الجنوب، بإدارة الاستقرار ومنع الانفجار الداخلي ضمن معادلة أمنية قائمة على وجود حزب الله، لا بصياغة قواعدها أو تحديد اتجاهاتها.
أما اليوم، فإن جلوس وفد من الجيش اللبناني إلى طاولة التفاوض يشير إلى تحوّل من دور تنسيقي بحت إلى دور مركزي داخل الترتيب الأمني الذي يتشكّل بعد الحرب. فالمؤسسة العسكرية لا تشارك فقط في مناقشة آليات الانتشار أو وقف إطلاق النار، بل تدخل أيضًا إلى مساحة كانت تُدار سابقًا ضمن توازنات سياسية وأمنية أوسع من دورها المباشر.
الجيش كمنتج للمفاهيم الأمنية
ولا يقتصر هذا التحول على توسّع الدور التفاوضي للمؤسسة العسكرية، بل يشمل أيضًا طبيعة المفاهيم الأمنية التي باتت تدخل في صلب النقاش. فعندما يناقش الجيش اللبناني مفاهيم مثل “التهديد الطارئ”، أو تعريف الخروقات، فإنه لا يتعامل فقط مع تفاصيل تقنية أو ميدانية، بل يشارك تدريجيًا في إنتاج اللغة الأمنية التي قد تحكم المرحلة المقبلة.
وهذا تطور أساسي، لأن تعريف التهديد وحدود استخدام القوة لم يكن سابقًا في صلب دور المؤسسة العسكرية على الحدود الجنوبية، حيث تصدّرت مفاهيم “المقاومة” والردع والتحرير المشهد الأمني لعقود. أما الجيش، فتمحور دوره أكثر حول الحفاظ على الاستقرار والتنسيق الأمني ضمن واقع قائم.
أمّا اليوم، فيبدو أن الجيش بات ينخرط بشكل مباشر في النقاش حول تعريف التهديد وحدود التصعيد وقواعد الاستقرار على الحدود ا لجنوبية.
الجيش ومتطلبات الحقبة الأمنية الجديدة
ويظهر التحول أيضًا في طبيعة الدعم الذي يطلبه الجيش للمرحلة المقبلة. فمطالبة المؤسسة العسكرية بالدعم العسكري واللوجستي السريع لا تعبّر فقط عن حاجة تقنية أو مالية، بل تكشف إدراكًا بأن المرحلة الجديدة تختلف عن تلك التي حكمتها معادلة “جيش وشعب ومقاومة”. فالمطلوب من الجيش اليوم تولّي الدور الحصري في حصر السلاح بيد الدولة وحماية كامل الحدود.
وهذا يفرض متطلبات مخلفة جذريًا: انتشارًا أوسع، وقدرات مراقبة وضبط حدود، وإمكانات لوجستية واستخباراتية، وقدرة أكبر على إدارة المجال الأمني.
في هذا المعنى، يصبح اجتماع واشنطن أكثر من مجرد محطة تفاوضية أمنية. فهو يعكس التحوّل الجاري في دور الجيش، ليس فقط من حيث انتقاله من تنفيذ الترتيبات الأمنية إلى المشاركة في صياغتها، بل أيضًا من خلال دخوله إلى مساحة تعريف المفاهيم الأمنية للمرحلة المقبلة، وتعزيز إمكاناته لتولّي دوره بشكل حصري. وفي ذلك، يشكّل الاجتماع أحد المؤشرات على مرحلة أمنية جديدة تتبلور، ولو لم تنضج التسوية السياسية بعد.
