لم يُسقط المجلس الدستوري قانون العفو العام رقم 70/2026 بكامله، لكنه أدخل تعديلات على بعض أحكامه، وأقرّ تفسيرات ملزمة لأحكام أخرى، بما يحدّد نطاق تطبيق القانون والجرائم التي يمكن أن تستفيد من العفو، وتلك التي تبقى مستثناة منه.
ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على حسم الطعن المقدّم بالقانون، بل يرسم أيضاً ضوابط يتعين على الجهات القضائية المعنية مراعاتها عند تحديد المستفيدين من العفو، وفقاً لطبيعة الجرائم والأحكام الصادرة فيها.
قبول الطعن لا يعني إلغاء القانون
ميّز المجلس الدستوري بين قبول المراجعة من الناحية الشكلية والبتّ في أساسها. فقبولها شكلاً يعني استيفاءها الشروط القانونية اللازمة للنظر فيها، فيما يعني قبولها جزئياً في الأساس الاستجابة لبعض الاعتراضات، من دون إبطال القانون بكامله.
وبالتالي، يبقى قانون العفو قائماً ضمن الحدود التي رسمها القرار، مع وجوب التقيد بالمواد والعبارات التي أبطلها المجلس، وبالتفسيرات الملزمة التي وضعها للأحكام التي أبقاها نافذة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين إبطال النص وتفسيره. فالإبطال يؤدي إلى استبعاد الحكم الذي قرر المجلس عدم دستوريته، أما التفسير الملزم فيُبقي النص قائماً، لكنه يفرض تطبيقه وفق المعنى الذي حدّده المجلس، وليس وفق اجتهادات تتعارض معه.
الفساد: العفو لا يعني إسقاط حقوق الدولة
من أبرز المسائل التي تناولها القرار جرائم الفساد والأموال المتأتية منها. فالعفو لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره وسيلة لإسقاط حقوق الدولة المالية أو منع استرداد الأموال التي جرى الحصول عليها بصورة غير مشروعة أو تحويلها إلى الخارج.
ويعكس هذا التوجه التمييز بين المسؤولية الجزائية التي قد يشملها العفو، وبين الحقوق المالية التي تبقى خاضعة للقواعد القانونية ذات الصلة.
كما أبقى القرار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري خارج نطاق العفو، بما يمنع التوسع في تفسير القانون على نحو يشمل أفعالاً مستثناة منه.
المخدرات والتزوير: تحديد نطاق الاستثناءات
وتناول القرار أيضاً الجرائم المرتبطة بالمخدرات، موضحاً الاستثناءات المتعلقة بالجرائم التي يرتكبها العسكريون وعناصر المؤسسات الأمنية، بما يشمل زراعة المخدرات، وفقاً للشروط الواردة في القرار.
ولا يعني ذلك أن جميع المدانين بجرائم المخدرات مستثنون من العفو، إذ يتوقف الأمر على نوع الجريمة والصفة القانونية لم رتكبها ومدى انطباق الاستثناء عليه.
كذلك شملت التفسيرات نطاق استثناء جرائم التزوير وبعض الاعتداءات، في محاولة لتحديد المقصود بالنصوص التي أثارت خلافاً في تفسيرها، ومنع اختلاف تطبيقها بين المحاكم والجهات المعنية.
جرائم القتل والعقوبات المشددة
وفي ما يتعلق بجرائم القتل، تناول القرار الجرائم العمدية أو القصدية المرتكبة في ظروف مشددة، إضافة إلى الجرائم المنصوص عليها في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات، ضمن الاستثناءات المحددة في القرار.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الاستفادة من العفو لا تتحدد بمجرد كون الشخص محكوماً بجريمة قتل، بل تستلزم الرجوع إلى الوصف القانوني للجريمة وظروف ارتكابها والمادة التي استند إليها الحكم القضائي.
كما تناول القرار وضع المحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام الصادرة بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، في ضوء إلغاء عقوبة الإعدام بموجب القانون رقم 68/2026، وحدّد عقوبتهم بـ28 سنة سجنية وفق الشروط الواردة فيه. ولا يجوز تعميم هذا الحكم على جميع المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة، لأنه يتعلق بالفئة التي حددها القرار.
تاريخ الجريمة عامل حاسم
وشملت التعديلات أحكاماً تتعلق بالمهلة الزمنية للجرائم المش مولة بالعفو. وأبطل المجلس عبارات محددة تتصل بالتاريخ المعتمد في القانون، مع تثبيت تاريخ 1 آذار 2026 حداً زمنياً في المواضع التي تناولها القرار.
ويعني ذلك أن تاريخ ارتكاب الجريمة قد يكون عاملاً أساسياً في تحديد إمكان الاستفادة من العفو، لكن تطبيق هذا المعيار يتطلب مراعاة النص الذي تناوله القرار، ولا يصح افتراض أن التاريخ أصبح حداً موحداً لجميع الجرائم من دون استثناء.
كيف ينعكس القرار على السجناء؟
لا يعني صدور القرار الإفراج التلقائي عن جميع السجناء الذين قد يشملهم قانون العفو، كما لا يعني إسقاط جميع الملاحقات القضائية المرتبطة بالجرائم الواردة فيه.
فكل ملف يحتاج إلى دراسة منفصلة لتحديد طبيعة الجريمة، وتاريخ ارتكابها، والعقوبة الصادرة فيها، ومدى انطباق الاستثناءات عليها، وأثر الإبطال أو التفسير الملزم الذي أقرّه المجلس.
وعلى أساس هذه المعايير، تتولى الجهات القضائية المختصة تحديد ما إذا كان المحكوم أو الملاحق يستفيد من القانون، وما إذا كان العفو يؤدي إلى إسقاط العقوبة أو إلى ترتيب أثر قانوني آخر على ملفه.
قانون باقٍ ضمن قيود دستورية
في المحصلة، لم يؤدِّ قرار المجلس الدستوري إلى إلغاء قانون العفو العام بكامله، بل أبقى القانون قائماً مع تعديلات وتفسيرات ملزمة تحدد نطاق تطبيقه وتضبط الاستثناءات منه.
وتبقى الأهمية العملية للقرار مرتبطة بكيفية تطبيق هذه الضوابط على الملفات الفردية، ولا سيما في قضايا الفساد والمخدرات والقتل والتزوير، حيث يمكن للفروق في الوصف القانوني للجريمة وتاريخها والعقوبة الصادرة فيها أن تؤدي إلى نتائج مختلفة.
