عبارات مثل “نصف الزيجات تنتهي بالطلاق” تتردد كثيرًا في الأحاديث اليومية والإعلام، حتى باتت تبدو كحقيقة ثابتة لا تقبل الجدل. لكن، هل تعكس هذه المقولة الواقع بدقة؟ وهل الطلاق هو مجرد نهاية للحب أم أن هناك أسبابًا أعمق وراء انفصال الزوجين؟
الطلاق بين الحقيقة والأسطورة
تشير الإحصائيات الرسمية في فرنسا، اعتمادًا على بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) والمعهد الوطني للدراسات السكانية (INED)، إلى أن نسبة الزيجات التي تنتهي بالطلاق تتراوح بين 44% و45%، وهذا يعني أن الرقم “نصف الزيجات” هو تقريب مبسط وغير دقيق. السبب في هذا الخطأ يعود إلى المقارنة بين عدد حالات الطلاق وعدد الزيجات في فترة زمنية معينة، وليس تتبع نفس الأزواج عبر سنوات.
ما الأسباب الحقيقية وراء الطلاق؟
بحسب دراسة استندت إلى بيانات INED ومركز أبحاث “كوريس”، فإن حوالي 60% من حالات الانفصال تعود إلى مشكلات في الحياة الزوجية الحميمة مثل الصراعات المتكررة، عدم الرضا الجنسي، الخيانة، وفقدان التواصل العاطفي بين الطرفين. ولكن، ما يلاحظه المعالجون النفسيون بشكل أعمق هو ظاهرة أخرى أكثر هدوءًا وأقل وضوحًا: فقدان الذات داخل العلاقة.
فقدان الذات داخل العلاقة الزوجية
ليس دائمًا الخيانة أو النفور المفاجئ هما سبب الانفصال. أحيانًا يكون السبب أكثر تعقيدًا، حيث يبدأ أحد الطرفين أو كلاهما في التلاشي داخل العلاقة، بحيث يفقد الشخص هويته الخاصة ويصبح مجرد ظل لنفسه السابق. الباحثان آرثر وإلين آرون في نظرية “توسيع الذات” يوضحان أن الحب يجذبنا لأنه يوسع من هويتنا، لكن عندما يتوقف هذا التوسع أو يتحول إلى تضييق، تصبح العلاقة خانقة.
علامات فقدان الذات في العلاقة:
تراجع الاهتمامات والهوايات الشخصية.
تجنب التعبير عن الخلافات أو الاعتراض.
تعديل الآراء لمجرد “عدم إثارة المشاكل”.
إعطاء الأولوية الدائمة لاحتياجات الآخر على حساب الذات.
تقلص الحياة الاجتماعية خارج العلاقة.
المعالج جون كيم يؤكد أن الكثير من مرضاه يدركون بعد سنوات أنهم بنوا هويتهم حول الشريك، وليس حول أنفسهم، وهذا ما يجعل الانفصال نتيجة حتمية ليست بسبب نقص الحب، بل بسبب فقدان الهوية.
كيف يمكن الحفاظ على الذات داخل العلاقة؟
العلاقات الناجحة لا تعني الاندماج الكامل، بل اللقاء بين شخصين يحملان هويات مستقلة. ووفقًا للبحوث، هناك ثلاثة أعمدة للحفاظ على علاقة صحية:
الحفاظ على الاهتمامات والهوايات الشخصية: متابعة ما يجعلنا نشعر بالحياة خارج العلاقة يعزز التوازن.
وضع حدود واضحة: القدرة على قول “لا” أو التعبير عن الاختلافات يجعل العلاقة أكثر صدقًا.
الاحتفاظ بمساحات شخصية منفصلة: الصداقات والمشاريع الفردية تمنع اختلاط الهويات وتشجع الرضا الذاتي.
وعليه، فإنّ الطلاق ليس مجرد نهاية للحب، بل غالبًا ما يكون نتيجة لتلاشي الهوية الشخصية داخل العلاقة. العيش في علاقة متوازنة يتطلب احترام الذات بقدر احترام الشريك، والاعتراف بأن الحب الحقيقي هو لقاء بين شخصين مكتملين، لا فقدان للذات تحت ضغط التوقعات.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بنصف الزيجات فقط، بل بكيفية الحفاظ على الذات والحب معًا ليعيش كلاهما في وئام دائم.
