وضع مسلسل “مولانا” المُشاهد مبكرًا في دائرة الاهتمام، في تجربة تتناول الهوية والسلطة والخوف. عمل يبدو -حتى تاريخه- مشوّقًا، قادرًا على التقاط المتابع منذ اللحظة الأولى، في حكاية ممتعة تمزج بين الدراما النفسية والتشويق الاجتماعي، مع جرعة نقد سياسي ذكي غير مباشر، قد يترك أثرًا في ذاكرة الموسم.
في “مولانا”، لا يقدّم تيم حسن شخصية نمطيّة، بل يخترع (جابر أو زابر) بتفاصيل دقيقة، بحركاته وصمته ونظراته القلقة وتحوّلاته الداخلية.
يناقش المسلسل علاقة الناس بالسلطة والخوف من بطشها، وكيف يصنعون أصنامهم بأيديهم، عبر نقد مبطّن يمرّر إشارات واضحة إلى مرحلة القمع التي سادت في عهد نظام بشار الأسد، بلغة التلميح لا المواجهة الصريحة، ما يمنح العمل بعدًا سياسيًا من دون الوقوع في فخ الشعارات والوعظ المباشر.

تبدأ “اللعبة الكبرى” عندما يقتل جابر زوج أخته، أحد سجّاني نظام الأسد، حيث كان مسجونًا قبل أن يخرج بعد اتفاقٍ معه يقضي بتزويجه أخته، لتبدأ بعدها رحلة من التعنيف والعذاب لها. إثر ذلك، يهرب جابر إلى قرية “العادلية”، وينتحل شخصية رجل ذي نسب مقدّس وشيخ ذي مكانة روحية (مولانا). فيتحوّل من هاربٍ مذعور في بيئة محكومة بالقوة والنفوذ إلى شخصية يُطبّل لها أهل القرية، في مفارقة درامية تكشف هشاشة الوعي الجماعي وسهولة صناعة الرموز.
اختيار جابر قرية “العادلية” لم يكن مجرد صدفة، بل أيضًا لأنها تقع في منطقة حدودية. حاول جابر الانضمام إلى فئة من السوريين الذين طالما حلموا بالفرار، سواء بسبب ضيق العيش أو هروبًا من التجنيد الإجباري. هذه الفئة كانت ترى “الجنة” خلف الحدود كملاذ آمن وفرصة جديدة للحياة.
ولم يتم التقاط المشاهد من خلال الوعظ أو المأساة بل بخفة الظلّ التي جعلت بعض اللقطات تتحوّل إلى ترند على مواقع التواصل الاجتماعي: كمشهد تعطّره بالليمون الحامض، واللعب الطريف غير المتصنّع على الكلمات مثل عبارة “أنا آخد شهادتي من يوكاي” في إشارة إلى تخرّجه من احدى الجامعات البريطانية.
كما تظهر الكوميديا حين يعجز سائله عن معرفة اسمه بسبب نطقه لحرف الجيم بطريقة خاصة، فيحاول توضيح ذلك بأسلوب فكاهي من خلال تقديم أمثلة مثل: “زدي ستي”، “رايح زاي”، و”زامع كنيسة”.
وبذلك، ينتقل تيم حسن بسلاسة لافتة من المشاهد المكثّفة والمؤلمة إلى لحظات ساخرة، ما يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا، ويخفف حدّة التوتر، ويزيد من تعلق المشاهدين بالمسلسل.
في “مولانا”، يمنح المخرج سامي الشرقاوي العمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، مع اهتمام بالتفاصيل البصرية، فتبدو القرية عالمًا مغلقًا قائمًا بذاته. ويكتمل الإيقاع المشدود بحضور الأبطال المشاركين: منى واصف، نور علي، نانسي خوري، فارس الحلو، هيما إسماعيل، علاء الزعبي، جرجس جبارة، جمال العلي، وسليمان رزق، ما يجعل العمل من أبرز رهانات الموسم.
