كما في خريف ٢٠٢٤، كذلك اليوم، ومع تجدّد الحرب الإسرائيلية على حزب الله، عادت ظاهرة “مقاومو الكنبة”، أو أولئك الذين يخوضون معاركهم لا من ساحات المواجهة أو من ميادين النقاش، إنما من خلف شاشات الهواتف والتلفزيون، يراقبون البرامج الإخبارية والمقابلات، بحثاً عن أي تفصيل يمكن تحويله إلى مادة للهجوم والشتم والتنمر والتهديد والتخوين ضدّ أي صوت لا يتوا فق مع رؤيتهم.
قد تتحوّل إطلالة مراسلة في قناة تلفزيونية إلى موضوع جدل، بسبب ماكياجها أو هندامها، لمجرد أن القناة لا تنسجم مع قناعاتهم، وقد تصبح ملامح سياسي أو طريقة كلام إعلامي مادة للسخرية لأنه عبّر عن موقف ينتقد المحور. وهكذا يُرَدّ على التغطيات الإعلامية والنقاشات السياسية بأسلوب سوقيّ وسطحيّ.
هذه الظاهرة تعكس عمق الأزمة في أسلوب التعامل مع الاختلاف السياسي، إذ يتحول النقاش من حوار جاد حول قضايا مصيرية إلى تبادل اتهامات والتركيز على تفاصيل سطحية وثانوية. فبدلاً من تسليط الضوء مثلًا على الكلفة الكارثية للحرب على البشر والحجر، وعلى المعاناة اليومية للنازحين، يختار “مقاومو الكنبة”، للتغطية على تقصير بيئتهم، مهاجمة كل من ينتقد أو يسلّط الضوء على هذه الإخفاقات، ما يضعف التعاطف معهم ويعمّق الانقسامات داخل المجتمع ويعزّز منطق التصعيد، فيضيف إلى ثقل الحرب ثقلًا جديدًا.
والأخطر، أن هذا السلوك يفتح الباب أمام لغة التهديد، التي لم تهدأ أساسًا، إذ لا يكتفي البعض بالهجوم والسخرية، بل تتدخل فرق الدعم عبر التعليقات لإطلاق عبارات من قبيل: .”هلأ مش فاضيينلكم، انطروا لتخلص الحرب ومنشوف شو بدو يصير فيكم”
وهكذا تتسع الهوّة بين “مقاومي الكنبة” وسائر أبناء الوطن، ويتحوّل النقاش من مساحة للحوار السياسي إلى ساحة للتوتر والاختبارات النفسية.
ملاحظة: تعبير “مقاومو الكنبة”، مستوحى من الطبيب والمفكر السياسي المصري الدكتور محمد أبو الغار، الذي أطلق عام ٢٠١١ مع ثورة ٢٥ يناير مقولة “ثوار الكنبة” لتحفيز الشعب المصري على المشاركة في الثورة والتغيير. text in italic
