في موازاة الحرب التي تشنّها إسرائيل ضد “حزب الله”، لا يكتفي جيشها بالضربات العسكرية والغارات المدمّرة، بل يرافقها بخطاب إعلامي موجّه إلى بيئته الحاضنة. ويبرز في هذا السياق نشاط الناطقين باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي وخليفته إيلا، من خلال تصريحات ومنشورات متكرّرة تستهدف هذه البيئة.
فبين التحذير من غارات مرتقبة والتعليق على تطورات الميدان، يوجّه الاثنان رسائل تبدو في ظاهرها مشبّعة بقدر كبير من “القلق” على المدنيين المتضرّرين من الحرب، وكأنهما يقدّمان نصائح أو تحذيرات حرصًا على سلامتهم. غير أن مضمون هذه الرسائل يتجاوز ذلك، إذ يحمل في طيّاته محاولة واضحة لإلقاء مسؤولية التصعيد وتداعياته على “حزب الله”، بمحاولة منهما لتوسيع الهوّة بينه وبين وأنصاره.
في إحدى منشوراتها، مثلًا، تتهم إيلا “حزب الله” باستخدام المدنيين “دروعًا بشرية”، وتحمّله مسؤولية التصعيد العسكري وما يترتب عليه من خسائر وتداعيات على البلاد. وفي منشور آخر وزّعت مقاطع ومقابلات مع لبنانيين ينتقدون إطلاق الصواريخ على إسرائيل، في محاولة لإبراز أصوات تعارض خيار المواجهة وترى فيه تورّطًا في حرب لا يريدها كثيرون.
من جهته، يستخدم أدرعي في بعض منشوراته لغة تحذيرية حادة، كما في دعوته الشيعة إلى سحب أموالهم من جمعية “القرض الحسن” المرتبطة بـ”حزب الله”، مدّعيًا أن هذه الأموال تُحوَّل إلى دعم أنشطة الحزب العسكرية. وتأتي هذه الرسائل بالتوازي مع استهداف مراكزه. وفي هذا السياق، تعتبر إسرائيل أن أدرعي نجح في تحقيق المطلوب منه، فهو بعد خروجه على التقاعد استُدعي من الاحتياط ليبقى إلى جانب إيلا في مهمته!
ورغم أن هذا الخطاب قد لا يكون مقنعًا بالكامل بالنسبة إلى الجمهور المُستهدف، إلا أنه ينجح في كثير من الأحيان في إثارة التفاعل والجدل. فمتابعة التعليقات وردود الفعل على هذه المنشورات تظهر حجم الانخراط الكبير فيها، خصوصًا من قبل مؤيدي “الحزب” الذين يردّون بكثافة وبلهجة هجومية مليئة بالانتقادات والشتائم. وهذا التفاعل بحد ذاته يعكس أحد أهداف هذا النوع من الخطاب، إذ يكفي أحيانًا جذب الانتباه وإشعال النقاش لضمان انتشار الرسائل على نطاق أوسع.
لماذا تعتمد إسرائيل الحرب النفسية؟
يرى مراقبون أن الصراعات الحديثة لم تعد تُحسم في الميدان العسكري وحده، بل باتت تدور أيضًا في ميدان الوعي والرأي العام. وفي هذا الإطار، تُعدّ الحرب النفسية أداة تهدف إلى التأثير في معنويات الخصم ومجتمعه، وإضعاف قدرته على الصمود.
ومن خلال هذا الأسلوب، تسعى إسرائيل إل ى تحقيق عدة أهداف في الوقت نفسه. أوّلها التأثير في الرأي العام داخل المجتمع الذي تواجهه، عبر توجيه رسائل مباشرة إلى السكان ومحاولة إقناعهم بأن معاناتهم ونتائج الحرب تعود إلى قرارات الجهة التي تقاتلها.
أما الهدف الثاني فيتمثّل في خلق حالة من الشكّ والانقسام الداخلي حول جدوى الحرب أو حول قرارات قيادة الجهة المسلّحة، وهو ما قد ينعكس ضغطًا اجتماعيًا أو سياسيًا عليها.
كما تهدف الحرب النفسيّة إلى التأثير في معنويات الخصم، سواء على مستوى المقاتلين أو البيئة الداعمة لهم، من خلال الرسائل التحذيرية أو الساخرة أو الاستفزازية. وفي الوقت نفسه، تحاول هذه الاستراتيجية التأثير في صورة الصراع أمام الرأي العام الدولي، عبر تقديم رواية تُظهر إسرائيل في مواجهة تنظيم مسلح، لا شعبًا أو دولة.
وفي المحصّلة، تشكّل الحرب النفسية جزءًا مكمّلًا للاستراتيجية العسكرية، إذ تتيح محاولة تحقيق مكاسب سياسية ومعنوية بالتوازي مع العمليات الميدانية، والسعي إلى إضعاف الخصم من الداخل عبر الضغط على بيئته ومجتمعه.
