لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت واقعًا متكررًا يفرض نفسه على حياة ملايين السكان، في وقت لا تزال فيه غالبية المنازل، خصوصًا في شمال القارة، تفتقر إلى أنظمة تكييف الهواء. ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة، يلجأ كثيرون إلى حلول مبتكرة، بعضها غريب، في محاولة للتخفيف من وطأة الحر.
ومن بين هذه الحلول، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما “تيك توك”، حيلة تقوم على وضع ملابس النوم في المجمد قبل ارتدائها. وبينما توفر هذه الطريقة إحساسًا مؤقتًا بالبرودة، يؤكد الخبراء أنها لا تمثل حلًا فعليًا لمواجهة الحرارة، إذ لا تدوم فعاليتها سوى دقائق معدودة.
وتختلف معاناة الأوروبيين بحسب طبيعة منازلهم. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بمكيفات الهواء بضعة في المئة، كما أن معظم المباني شُيّدت للاحتفاظ بالحرارة خلال الشتاء، ما يجعلها تتحول إلى ما يشبه الأفران خلال موجات الحر الصيفية.
ولا تقتصر المشكلة على ساعات النهار، إذ يحذر خبراء الصحة من أن ارتفاع درجات الحرارة ليلًا قد يكون أكثر خطورة، لأنه يحرم الجسم من فرصة التعافي بعد يوم شديد الحرارة. وتشير دراسات إلى وجود ارتباط بين الليالي الحارة وارتفاع معدلات الوفيات، خاصة بين كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وفي مواجهة موجات الحر المتكررة، اتجهت مدن أوروبية إلى إنشاء “ملاجئ مناخية” عبر فتح المراكز المجتمعية والمكتبات والقاعات العامة المكيّفة أمام السكان خلال فترات الحر الشديد، في خطوة تهدف إلى الحد من المخاطر الصحية، خصوصًا على كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
ويشدد خبراء الصحة على أن أكثر الوسائل فعالية لا تزال تتمثل في إبقاء الستائر مغلقة خلال النهار، وفتح النوافذ عندما تنخفض حرارة الهواء في الخارج، وتجنب استخدام الأجهزة التي تولد حرارة داخل المنزل، إضافة إلى الإكثار من شرب المياه، وارتداء الملابس الخفيفة، واستخدام الكمادات الباردة لتبريد الجسم.
وفي المدى البعيد، تتجه الأنظار إلى حلول أكثر استدامة، مثل طلاء الأسطح بألوان فاتحة تعكس أشعة الشمس، وتركيب الألواح الشمسية التي تقلل من امتصاص المباني للحرارة، وزراعة الأشجار لزيادة المساحات المظللة وخفض درجات الحرارة في المدن.
ويؤكد باحثون أن مواجهة موجات الحر لم تعد تقتصر على توفير الراحة، بل أصبحت قضية صحة عامة وتخطيط عمراني، مع تزايد المؤشرات على أن فصول الصيف الأوروبية ستكون أكثر حرار ة في السنوات المقبلة، ما يفرض على الحكومات والسكان إعادة التفكير في كيفية تكييف المنازل والمدن مع واقع مناخي جديد.
