ما نفع الإنسان أن يعيش طويلا. أن يتخطّى الثمانين والتسعين، إذا كان عليه أن يودّع أبناءه واحدًا تلو الآخر؟ هذا في جوهره، ما كانت تقصده حماتي (والدة زوجي) حين وضعت يدها قبل سنوات على كتف والدتها التي دفنت لتوّها حفيدها الشاب، وقالت لها بمرارة مغلّفة بالعاطفة: “مبسوطة إنك تخطّيتِ الثمانين، هذا الحفيد الثال ث الذي تدفنينه في أقل من خمس سنوات”. لم تكن جملة قاسية بقدر ما كانت اعترافًا موجعًا بأن طول العمر لا يعني بالضرورة نعمة، حين يتحوّل إلى سلسلة وداعات متلاحقة.
عاد هذا المشهد إليّ بقوة وأنا أتابع وداع هلي الرحباني، فيما كانت والدته السيدة فيروز (٩٠ عامًا) تتقبّل العزاء به بصمت ثقيل. لم يكن قد مرّ بعد ستة أشهر على جلوسها في المكان نفسه، لتقبّل التعازي بابنها زياد. وقبل ذلك بعقود، كانت قد ودّعت ابنتها ليال، التي اختطفها انفجار في الدماغ وهي لم تتجاوز التاسعة والعشرين من عمرها. ثلاث خسارات متتالية، كل واحدة منها كفيلة بأن تكسر قلب أم، فكيف إذا اجتمعت كلها في حياة أم واحدة؟
اللافت، بل المؤلم، أن حرقة فيروز على هلي بدت هذه المرة أشدّ، رغم محاولتها إخفاءها خلف نظارتها السوداء. كان في حزنها شيء مختلف: أثقل، أعمق وأكثر صمتًا.
هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا بدا الفقد أقسى؟ هل لأن هلي من أصحاب الهِمم؟ أم لأن علاقتهما كانت استثنائية، خارج كل المقاييس المعتادة؟
هلي لم يكن نجمًا، ولم يكن حاضرًا في الضوء كما زياد، لكنه كان حاضرًا في حياة فيروز اليومية، في تفاصيلها الصغيرة، وفي قلقها الدائم. الأم التي ترعى ابنًا من أصحاب الهمم لا تفقده مرة واحدة عند الرحيل، إنها تفقده على مهل، ومعه تفقد سنوات من الخوف والحماية والالتصاق العاطفي.
فقدان هلي ليس فقط فقدان ابن، بل فقدان دور ومعنى وحياة كاملة نُسجت حوله. هو فقدان لمن كانت فيروز له العالم كلّه، وفقدان لمن كان هو عالمها الوحيد. لذلك، قد تكون الحرقة مضاعفة، لأن الفقد هنا مزدوج: فقدان الابن، وفقدان المعنى اليومي الذي عاشته الأم لعقود.
أمام ما عاشته فيروز، يصبح من المشروع إعادة التفكير في عبارة نرددها بلا وعي: “عقبال المية”، فليس طول العمر دائمًا مكافأة، إذا كان محمّلًا بهذا الكم من الأسى.
