في مقابلة نادرة مع وسيلة إعلام اميركية، كشف قائد ميداني في حزب الله كيف تعافى التنظيم من الضربة التي تلقاها عام 2024. وتطرق إلى التحول إلى أساليب “بدائية” بعد هجوم أجهزة النداء، وإلى هيكل القيادة اللامركزي بعد مقتل الأمين العام حسن نصر الله، وإلى إعادة التسلح: “لقد زودنا الجيش اللبناني بصناديق أسلحة فارغة، فليس هناك شيء لا يمكن تهريبه من سوريا”.
في ظل تجدد القتال ضد حزب الله في أعقاب عملية “زئير الأسد” في إيران، وعلى خلفية المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، أجرت شبكة NPR الأمريكية مقابلة مع قائد ميداني في التنظيم، ما أتاح لمحة نادرة عن هيكل قيادته والطريقة التي تعافى بها منذ الضربة التي تلقاها عام 2024، بعد هجوم أجهزة النداء ومقتل نصر الله.
تحدث القائد نفسه عبر الهاتف لمدة أربعين دقيقة مع الشبكة الأمريكية، وروى كيف أُصيب في اليوم السابق خلال هجوم إسرائيلي مكثف على بيروت، ضمن الضربة الأولى لعملية “الظلام الدامس”، التي أسفرت عن مقتل 350 شخصًا وفقًا للسلطات اللبنانية. ووصف الحادث قائلًا: “انفجر صاروخ إسرائيلي في شارع قرب مبنى في حي الحدث”. وأضاف: “تطاير الزجاج والشظايا وأصابت يديّ وقدميّ، وقُتل شخصان بجواري. لكن عدوًا يحتل أرضي، فأين يُفترض بي أن أكون؟”
وقال القائد (62 عامًا)، الذي عرّف عن نفسه باسمه الحركي “جهاد” خوفًا من تعقبه، إنه عضو في الجناح العسكري لحزب الله منذ عام 2001، وأن رتبته الحالية تعادل رتبة مقدم في الجيش الإسرائيلي. وامتنع عن تحديد منصبه بدقة، خشية الكشف عن هويته، مشيرًا إلى أنه يتنقل بين الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، حيث يقود قوات تقاتل إسرائيل.
وقال ضاحكًا: “دعنا نقول إن تخصصي هو الأشياء التي تطير”، في إشارة إلى الصواريخ. وأضاف: “نحن نحارب عدوًا يمتلك أحدث الأسلحة وكل التكنولوجيا، لكننا صامدون”.
أشار “جهاد” إلى “أخطاء” ارتكبها الحزب عام 2024 أدت إلى مقتل نصر الله، ووصف كيف أعاد التنظيم تسليح نفسه منذ ذلك الحين. فعلى سبيل المثال، لم يتحدث إلى الشبكة عبر هاتفه الشخصي، لأن الحزب يمتنع الآن عن استخدام الهواتف المحمولة وغيرها من التقنيات بعد هجوم أجهزة النداء في سبتمبر/أيلول 2024، الذي انفجرت فيه آلاف الأجهزة بشكل متزامن تقريبًا، ما أدى إلى مقتل العشرات.
وقال إن الحزب توقف منذ ذلك الحين عن استيراد الإلكترونيات، مضيفًا: “لم نعد نثق بأي شيء”، مشيرًا إلى أنه يستخدم جهاز اتصال لاسلكي قديمًا: “كل شيء هنا قديم، أجهزة موتورولا وأجهزة إرسال لاسلكية. حتى إن بعض الأوامر تُنقل عبر ملاحظات مكتوبة بخط اليد، تصل بواسطة رُسل على دراجات نارية”.
وتابع: “عاد حزب الله إلى جذوره بعد هجوم أجهزة النداء، وكذلك بعد مقتل نصر الله في وقت لاحق من ذلك الشهر”. وأضاف أن خليفته، نعيم قاسم، “غيّر النهج برمته” واعتمد هيكل قيادة لا مركزي، كان قد طوّره القيادي عماد مغنية، الذي اغتيل عام 2008 في دمشق.
وأوضح: “قُسّم المقاتلون إلى وحدات شبه مستقلة لا تتواصل فيما بينها لأسباب أمنية. أحدهم متخصص في الرماية، وآخر في مراقبة الطريق، وقد يتخصص ثالث في مهام لوجستية. كل فرد يؤدي مهمته دون معرفة الصورة الكاملة”.
وعلى الرغم من التزام الحزب الصمت منذ وقف إطلاق النار أواخر عام 2024، ورغم استمرار الغارات الإسرائيلية في لبنان بين الحين والآخر، يؤكد “جهاد” أن الحزب لم ينزع سلاحه. وأضاف أن بعض العناصر أشاروا للجيش اللبناني إلى مخازن أسلحة قديمة أو غير مستخدمة، وسمحوا بمصادرتها، فيما بقيت الترسانة الأساسية سليمة.
وقال: “لم يُصادروا شيئًا فعليًا. أُعطيت لهم صناديق فارغة أو معدات قديمة”. وأضاف أن قدرات الحزب لم تتأثر كما يُعتقد، وأنه أعاد التسلح عبر مزيج من الاستيراد والإنتاج المحلي، مشيرًا إلى أن “اليوم يمكن تعلم كيفية صنع أي شيء عبر الإنترنت”.
وامتنع عن الكشف عن مواقع تجميع الأسلحة، إلا أنه أشار إلى وجود شبكة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض. ورغم أن إسرائيل أعلنت تدمير بعض هذه البنى عام 2024، فإن تقديرات تشير إلى أن أجزاء منها لا تزال قيد الاستخدام.
وكان الحزب قد تلقى معظم أسلحته من إيران عبر سوريا، لكن التغيرات السياسية في دمشق أواخر 2024 أثرت على هذا المسار. ومع ذلك، قال القائد: “لا يوجد شيء لا يمكن تهريبه عبر سوريا”، في إشارة إلى استمرار تدفق بعض الأسلحة.
وانتهت المقابلة بعد نحو أربعين دقيقة، عندما قال إنه مضطر للمغادرة: “علينا تغيير المكان”، قبل أن يُغلق الخط. وأشار الصحفي إلى سماع أصوات طائرات مسيّرة ومقاتلات تحلق على ارتفاع منخفض قبيل انقطاع الاتصال.
