في كل مرة يضرب فيها زلزالٌ مدمّر منطقة ما، يعود الجدل القديم الجديد إلى الواجهة: هل كان بالإمكان التنبؤ به؟ ومن كان “يعرف” مُسبقًا؟
هكذا لمع اسم خبير الزلازل الهولندي فرانك هوغربيتس بعد زلزال تركيا المروّع في شباط/فبراير 2023، حين ادعّى أنه تنبأ بوقوعه قبل ثلاثة أيام. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل الرجل إلى نجم على مواقع التواصل الاجتماعي، يطلق توقّعاته يمنةً ويسرةً، ويربط النشاط الزلزالي باقترانات الكواكب وحركتها، رغم الإجماع العلمي على أن هذه الفرضيات لا تستند إلى أي أساس علمي موثّق.
وعلى الرغم من تأكيد علماء الزلازل مرارًا أن التنبؤ بالهزّات على المدى القصير غير ممكن علميًا، وأن ما يُطرح في هذا الإطار لا يتعدّى كونه توقّعات عامة أو مصادفات زمنية، لا تزال هذه “النبوءات” تنتشر كالنار في الهشيم، مخلّفة هلعًا جماعيًا لدى من يقرأها أو يصدّقها.
فلماذا يحدث ذلك؟ لماذا يميل الناس إلى تصديق الخرافات، حتى بعد تفنيدها وشرحها من قبل العلماء بوضوح؟
هناك عدة احتمالات:
قد يكون أولّها الخوف: فالإنسان بطبيعته يخشى المجهول، والزلازل تحديدًا تمثّل أحد أكثر الكوارث رعبًا لأنها تضرب من دو ن إنذار. في مثل هذا الفراغ، يصبح أي شخص يدّعي امتلاك “معلومة مسبقة” مصدر طمأنينة زائفة، حتى لو كانت هذه المعلومة بلا أساس علمي.
أما السبب الثاني هو وهم السيطرة: إذ عندما يصدّق الإنسان أن أحدًا ما يستطيع التنبؤ بالكارثة، يشعر – ولو وهميًا – بأن الفوضى أصبحت قابلة للفهم، وبأن المصير لم يعد عشوائيًا بالكامل. هذا الإحساس، وإن كان زائفًا، مريح نفسيًا أكثر من الاعتراف بأن العلم نفسه يقف عاجزًا أمام بعض الظواهر الطبيعية.
والسبب الثالث والأهم هو دور الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي: فالخوف “بيّيع”، والعناوين الصادمة تجذب النقرات. وهنا تتحوّل التوقّعات غير العلمية إلى مادة إعلامية رائجة، تُضخَّم وتُقتطع من سياقها، وأحيانًا تُنسب إلى أصحابها زورًا، والمثال الصارخ على ذلك ما حصل في مقابلة مع الاستاذ المحاضر والباحث في علم الجيولوجيا والزلازل في الجامعة الاميركية في بيروت الدكتور طوني نمر، حين جرى الترويج لعنوان يتحدث عن “احتمال غرق بيروت بفعل الزلازل والصواريخ”، ليتبيّن لاحقًا أن نمر لم يقل ذلك إطلاقًا، وأن العنوان جاء من وحي خيال الصحافي الذي أجرى المقابلة معه، في ممارسة إعلامية لا تقل خطورة عن الخرافة نفسها.
تآكل الثقة بالعلم لصالح الإثارة
إنّ العلم بطبيعته حذرٌ، متأنٍ، ومشروط بالاحتمالات، لا يعطي أجوبة قطعية ولا وعودًا مطلقة. أما الخرافة، فتمنح جملًا حاسمة، وتواريخ تقريبية، وسيناريوهات كارثية جاهزة، وهي عناصر مثالية لعصر السرعة والخوف الجماعي.
في المقابل، يكرر العلماء، ومنهم نمر، حقيقة علمية ثابتة: لا توجد حتى اليوم أي آلية علمية قادرة على تحديد توقيت الزلازل بدقّة، وكل ما عدا ذلك يدخل في إطار التوقّعات العامة أو المصادفات، لا الحقيقة العلمية.
ورغم ذلك، يبقى السؤال الأهم: لماذا نفضّل تصديق الخرافة؟
لأنها أبسط وأسرع وأكثر إثارة، ولأن مواجهة الحقيقة تتطلّب نضجًا معرفيًا ومسؤولية جماعية.. قد لا يملكها الجميع.
