تحقيقات تكشف شبكة رقمية تستدرج شباناً أفارقة بعروض عمل ورواتب مرتفعة، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم في الجيش الروسي وعلى خطوط القتال في أوكرانيا
تقديرات نقلها مركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا تشير إلى أن موسكو تحتاج إلى نحو 30 ألف إلى 35 ألف مجند شهرياً لتعويض الخسائر والحفاظ على حجم قواتها على الجبهة، مع تجنب تعبئة عامة جديدة قد تكون ذات كلفة سياسية داخلية.
لم تعد عملية تجنيد الأجانب للقتال إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية تجري فقط عبر الوسطاء التقليديين أو شبكات التجنيد السرية. فقد انتقلت هذه العملية بصورة متزايدة إلى الفضاء الرقمي، حيث تظهر إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو في ظاهرها عروضاً عادية للعمل في البناء أو الأمن أو الخدمات، لكنها قد تقود في النهاية إلى عقود عسكرية وإرسال المجندين إلى الجبهة في أوكرانيا.
تحقيقات صحافية حديثة كشفت شبكة واسعة من هذه العمليات، وبيّنت أن روسيا تستخدم أدوات رقمية متطورة للوصول إلى شبان، خصوصاً في أفريقيا، ممن يبحثون عن العمل أو الهجرة وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.
المفارقة أن جزءاً من هذه العملية يعتمد على البنية الرقمية العالمية نفسها التي طورتها شركات تكنولوجية غربية، من منصات التواصل والإعلانات الرقمية إلى خدمات الاستضافة وتحليل البيانات.
أي أن عملية التجنيد قد تبدأ بإعلان يبدو كأنه إعلان توظيف عادي، لكنه ينتهي في بعض الحالات بالوصول إلى الجيش الروسي.
إعلان وظيفة.. والوجهة أوكرانيا
تبدأ العملية غالباً بإعلان لا يبدو عسكرياً.
في إحدى الحالات التي تم توثيقها، ظهر إعلان على وسائل التواصل الاجتماعي يبحث عن رجال أفارقة للمشاركة في إنتاج سينمائي. واستخدم الإعلان صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لرجال سود يرتدون ملابس عسكرية.
لكن تتبع المسار الرقمي للإعلان قاد الباحثين إلى شبكة من المواقع والحسابات المرتبطة بالتجنيد.
إعلانات أخرى تحدثت عن وظائف في البناء والأمن والخدمات، وعرضت رواتب مرتفعة، إلى جانب وعود بالمساعدة في الحصول على تأشيرة أو وثائق روسية.
بالنسبة إلى شاب يعيش في بلد يعاني البطالة أو ضعف الأجور، قد يبدو العرض فرصة للهجرة والعمل، وليس عملية تجنيد عسكري.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للقلق: الشخص لا يُطلب منه بالضرورة في البداية أن يوافق على الذهاب إلى الحرب، وإنما يُطلب منه أن يوافق على السفر والعمل.
شبكة رقمية واسعة
لم تكشف التحقيقات عن صفحات متفرقة فحسب، بل عن بنية رقمية أكثر تعقيداً.
فقد تم تحديد عشرات المواقع الإلكترونية وحسابات على شبكات التواصل وقنوات على تطبيقات المراسلة مرتبطة بعمليات تجنيد أجانب للعمل في روسيا.
وظهرت أسماء وعلامات تجارية مختلفة تقدم نفسها على أنها وكالات توظيف أو شركات توفر فرص عمل في روسيا، بينها جهات تحمل أسماء مثل:
Military Staff Agency
Work in Russia
IRC Russian Bear
Work Crew Agency
وبعض هذه المنصات يقدم نفسه بصورة احترافية، مع معلومات عن الوظائف والرواتب وإجراءات السفر، بما يجعل من الصعب على الشخص المستهدف معرفة أن العرض قد يرتبط في النهاية بالخدمة العسكرية.
ولا يبدو أن الشبكة تعتمد على جهة واحدة فقط، بل على مجموعة من الوسطاء والمنصات والحسابات التي يمكن إعادة إنشائها بسرعة بعد إغلاق أو حجب بعضها.
من فيسبوك إلى واتساب وتلغرام
بعد الإعلان تأتي المرحلة الثانية.
ينتقل الشخص المهتم إلى موقع إلكتروني يبدو كموقع شركة توظيف، ويُطلب منه إدخال معلومات الاتصال والبيانات الشخصية.
بعد ذلك يبدأ التواصل المباشر، غالباً عبر تطبيقات مثل واتساب أو تلغرام.
وتكشف التحقيقات أن بعض المجندين يستخدمون أشخاصاً من دول أفريقية للتواصل مع المرشحين بلغاتهم المحلية، بهدف طمأنتهم وإقناعهم بأنهم ذاهبون إلى روسيا من أجل العمل.
وتتحول العملية تدريجياً إلى مسار واضح:
إعلان رقمي.
ثم موقع توظيف.
ثم جمع البيانات.
ثم تواصل مباشر.
ثم تأشيرة وسفر.
ثم الوصول إلى روسيا.
ثم توقيع العقد.
ثم التدريب أو التجنيد العسكري.
وأخيراً الجبهة.
المال هو الطُعم الأساسي
تلعب الأموال دوراً مركزياً في هذه العملية.
بعض الإعلانات تحدثت عن رواتب تصل إلى آلاف الدولارات شهرياً، فيما تضمنت عروض أخرى مبالغ كبيرة تدفع عند توقيع العقد، إضافة إلى راتب شهري ثابت.
وفي بعض الحالات، وصلت الوعود إلى عشرات آلاف الدولارات، وهي م بالغ يصعب تجاهلها بالنسبة إلى أشخاص يعيشون في بيئات اقتصادية صعبة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يكتشف الشخص أن طبيعة الوظيفة التي سافر من أجلها تختلف عما كان يتوقعه.
وتحدثت شهادات عن أشخاص اكتشفوا بعد وصولهم إلى روسيا أن العقد الذي سيوقعونه مرتبط بالجيش، فيما واجه آخرون صعوبة في فهم العقود بسبب اللغة الروسية.
من عقد عمل إلى عقد عسكري
وثقت تحقيقات متعددة حالات وصل فيها مواطنون أفارقة إلى روسيا على أساس عروض عمل أو برامج تدريب، ثم وجدوا أنفسهم أمام عقود تتضمن الخدمة العسكرية.
وفي بعض الحالات، تحدثت شهادات عن ممارسة ضغوط على المجندين، أو احتجاز جوازات السفر، أو صعوبة العودة إلى بلدانهم.
وتحدث آخرون عن نقص في التدريب والمعدات أو عن إرسالهم إلى مناطق القتال بصورة أسرع مما كانوا يتوقعون.
لكن من المهم التمييز بين الحالات: ليس كل أجنبي يخدم في الجيش الروسي ضحية خداع، إذ ينضم بعض الأجانب إلى القوات الروسية بصورة طوعية.
المشكلة التي تكشفها التحقيقات تتعلق تحديداً بالعمليات التي تستخدم عروض عمل مضللة أو معلومات ناقصة لاستدراج الأشخاص إلى الخدمة العسكرية.
الأدوات الغربي ة في قلب العملية
ربما تكون هذه هي أكثر النقاط إثارة للاهتمام في القضية.
فالشبكات التي تقف خلف عمليات التجنيد لا تعمل في فضاء رقمي روسي مغلق.
إنها تستخدم منصات وخدمات رقمية عالمية، بينها شبكات التواصل والإعلانات الرقمية وخدمات الاستضافة وأدوات تحليل البيانات.
وهذا لا يعني أن الشركات التي تقدم هذه الخدمات تشارك في التجنيد أو تدعمه.
لكن التحقيقات تظهر أن الأدوات التي صُممت أساساً للإعلان التجاري والوصول إلى الجمهور يمكن استغلالها أيضاً لأغراض عسكرية.
بمعنى آخر، يستطيع المجندون استخدام التكنولوجيا نفسها التي تستخدمها الشركات للعثور على زبائن جدد للوصول إلى أشخاص يمكن تحويلهم لاحقاً إلى مجندين.
وتقول شركات تكنولوجية إنها أزالت أو حجبت حسابات ومواقع مرتبطة بهذه العمليات، إلا أن القائمين عليها يستطيعون إنشاء حسابات ومواقع جديدة والاستمرار في العمل.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
الذكاء الاصطناعي أصبح أيضاً جزءاً من هذه البيئة.
فبعض الإعلانات تستخدم صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لإظهار رجال بملابس عسكرية أو مشاهد مرتبطة بالحياة في روسيا.
وهذا يمنح الإعلان مظهراً احترافياً من دون الحاجة إلى إنتاج صور حقيقية.
كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج نسخ متعددة من الإعلان بلغات مختلفة، والوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور بسرعة.
وهكذا تصبح عملية التجنيد أكثر شبهاً بحملة تسويقية رقمية منها بشبكة تجنيد عسكرية تقليدية.
افريقيا ليست وحدها
رغم التركيز الكبير على أفريقيا، فإن الظاهرة لا تقتصر على القارة.
فقد ظهرت تقارير عن تجنيد مواطنين من آسيا وأمريكا اللاتينية ودول أخرى للقتال إلى جانب روسيا.
لكن أفريقيا توفر بيئة جذابة لهذا النوع من التجنيد، بسبب ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في عدد من الدول، والفوارق الكبيرة في مستويات الأجور، والرغبة في الهجرة إلى الخارج.
وهنا تتحول الحاجة الاقتصادية إلى مدخل للاستقطاب.
لماذا تحتاج موسكو إلى الأجانب؟
الحاجة الروسية إلى المقاتلين الأجانب مرتبطة بطبيعة الحرب نفسها.
فالحرب في أوكرانيا تتطلب تدفقاً مستمراً من الجنود لتعويض الخسائر والحفاظ على حجم القوات المنتشرة على الجبهة.
وفي الوقت نفسه، يمثل إعلان تعبئة واسعة داخل روسيا قراراً سياسياً حس اساً.
لذلك يمكن أن يوفر تجنيد الأجانب وسيلة لزيادة أعداد القوات من دون تحميل المجتمع الروسي وحده كلفة بشرية إضافية.
وتشير تقديرات مختلفة إلى وجود آلاف الأجانب في صفوف القوات الروسية، بينهم مواطنون من عشرات الدول.
ولا توجد أرقام نهائية موثوقة لحجم هذه الظاهرة، بسبب طبيعة التجنيد السري وتعدد القنوات والوسطاء.
النساء أيضاً في اقتصاد الحرب
القضية لا تتعلق فقط بالرجال الذين يُرسلون إلى الجبهة.
فقد كشفت تحقيقات سابقة عن استقطاب شابات أفريقيات للعمل في منطقة ألابوغا الصناعية في جمهورية تتارستان الروسية.
وقدمت بعض برامج الاستقطاب نفسها باعتبارها فرصاً للعمل أو التدريب، قبل أن يجد المشاركون أنفسهم يعملون في منشآت مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة.
وهذا يكشف جانباً آخر من الظاهرة:
روسيا لا تبحث فقط عن جنود أجانب، بل عن عمالة أجنبية يمكن أن تساهم في تشغيل اقتصاد الحرب.
من «العمل في روسيا» إلى خدمة الحرب
التجنيد الرقمي يجب أن يُقرأ أيضاً في سياق السياسة الروسية الأوسع تجاه أفريقيا.
فموسكو تعمل منذ سنوات على تعزيز حضورها في القارة من خلال التعليم والثقافة والمنح وبرامج الدراسة والعمل، إضافة إلى علاقات أمنية وعسكرية.
وتوجد في عدد من الدول الأفريقية مؤسسات ومراكز روسية تقدم برامج لتعليم اللغة الروسية وتشجع على الدراسة والعمل في روسيا.
ولا يعني وجود هذه المؤسسات أنها جميعاً جزء من عمليات التجنيد العسكري، لكن البيئة التي توفرها تسهم في جعل روسيا وجهة أكثر حضوراً أمام الشباب الأفريقي الباحث عن الدراسة أو العمل أو الهجرة.
الحرب تبدأ من شاشة الهاتف
تكشف هذه القضية تحولاً مهماً في طبيعة الحروب الحديثة.
في الماضي، كان تجنيد المقاتلين الأجانب يتطلب وسطاء وشبكات محلية واتصالات مباشرة.
اليوم يمكن أن تبدأ العملية بإعلان على فيسبوك.
صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي.
راتب مغرٍ.
وعد بتأشيرة.
موقع إلكتروني احترافي.
ثم رسالة على واتساب أو تلغرام.
كل خطوة تبدو منفصلة عن الحرب.
لكنها قد تنتهي بعقد عسكري.
وهنا تكمن أهمية التحقيقات الأخيرة.
فالقصة ليست فقط قصة أفارقة جرى إرسالهم إلى القتال في أوكرانيا، بل قصة اقتصاد رقمي جديد للتجنيد العسكري، يمكن فيه لشبكات مرتبطة بالحرب أن تستخدم أدوات الإعلان التجاري العالمي للوصول إلى أشخاص يبحثون ببساطة عن فرصة عمل.
والسؤال الذي تفرضه هذه القضية يتجاوز روسيا وأوكرانيا وأفريقيا:
إلى أي حد تستطيع شركات التكنولوجيا والدول اكتشاف عملية تجنيد عسكرية عندما تبدأ بإعلان يبدو، في ظاهره، مجرد عرض عمل؟
في هذه الحرب، قد لا تبدأ الرحلة إلى الجبهة من مكتب تجنيد أو ثكنة عسكرية.
قد تبدأ من شاشة هاتف.
