منذ انفجارات أجهزة “البيجر” والاتصالات اللاسلكية التي استهدفت عناصر حزب الله في خريف عام 2024، بدا واضحًا أن المواجهة بين إسرائيل والحزب دخلت مرحلة مختلفة تمامًا. لم تعد الحرب محصورة بجبهة الجنوب أو بقواعد الاشتباك التقليدية، بل انتقلت إلى قلب البنية الأمنية والعسكرية للحزب، عبر استراتيجية تقوم على تفكيك هرم القيادة واستنزافه تدريجيًا.
ففي تلك الليالي، كشفت إسرائيل عن مستوى غير مسبوق من الاختراق الاستخباري، لتبدأ بعدها مرحلة عنوانها الأبرز: “استهداف القيادات”، من الصف الأول وصولًا إلى القادة الميدانيين، مع التركيز على منع أي محاولة لإعادة ترميم القيادة أو إعادة إنتاجها.
اغتيال حسن نصرالله… انهيار الرأس
شكّل اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله التحول الأخطر في مسار الصراع. فالرجل الذي قاد الحزب لعقود، وبنى منظومة أمنية شديدة التعقيد، سقط في عملية وُصفت بأنها من أكثر العمليات الاستخبارية تعقيدًا في تاريخ المواجهة بين الطرفين.
ورغم غياب الرواية الكاملة، فإن العملية عكست حجم الاختراق الذي تمكنت إسرائيل من تحقيقه، سواء عبر أدوات تجسس إلكتروني متطورة أو من خلال مصادر بشرية وفّرت معلومات دقيقة عن تحركاته ومكان وجوده.
ولم يكن اغتيال نصرالله مجرد تصفية لقائد بارز، بل رسالة مباشرة بأن إسرائيل باتت تستهدف مركز القرار السياسي والعسكري للحزب نفسه.
هاشم صفي الدين… إستهداف خط الخلافة
بعد أيام قليلة فقط، انتقلت إسرائيل إلى استهداف هاشم صفي الدين، الشخصية التي كانت تُطرح باعتبارها الخليفة الطبيعي لنصرالله.
ففي غارة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، قُتل صفي الدين داخل مقر تحت الأرض، في خطوة عكست بوضوح أن إسرائيل لم تعد تكتفي بضرب القيادة الحالية، بل تعمل أيضًا على القضاء على أي بديل محتمل يمكنه إعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب.
فؤاد شكر… استهداف العقل العسكري”
وفي يوليو/تموز 2024، اغتالت إسرائيل القيادي العسكري فؤاد شكر، أحد أبرز العقول العسكرية داخل الحزب والمقرّب من نصرالله.
استهدفت الغارة مبنى في حارة حريك، ضمن ما اعتُبر حينها كسرًا واضحًا لكل الخطوط الحمراء داخل الضاحية الجنوبية. وكان شكر يُنظر إليه باعتباره “الذاكرة العسكرية” للحزب، والمسؤول عن ملفات حساسة أبرزها مشروع الصواريخ الدقيقة.
وجاء اغتيال ه ضمن مسار واضح لضرب منظومة القيادة والسيطرة داخل الحزب، واستهداف العقول التي تدير العمليات الاستراتيجية.
إبراهيم عقيل وإبراهيم قبيسي… استهداف الجيل المؤسس
لاحقًا، وسّعت إسرائيل دائرة الاغتيالات لتشمل شخصيات تاريخية داخل الحزب.
ففي سبتمبر/أيلول 2024، اغتيل إبراهيم عقيل في غارة استهدفت شقة في منطقة الجاموس، بينما قُتل بعد أيام إبراهيم قبيسي، أحد أبرز قادة المنظومة الصاروخية، في غارة مماثلة على الغبيري.
وعكست هذه العمليات تركيزًا إسرائيليًا على استهداف القيادات التي تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة العمل العسكري والأمني داخل الحزب.
علي كركي… خسارة ميدانية بارزة
كما قُتل علي كركي، أحد أبرز القادة الميدانيين في حزب الله، بعد أيام من نجاته من محاولة اغتيال أولى.
وكان كركي يُعد من مهندسي الاستراتيجية العسكرية للحزب، ولعب دورًا أساسيًا في إدارة الجبهة الجنوبية خلال حرب الإسناد بعد “طوفان الأقصى”، ما جعل استهدافه جزءًا من محاولة ضرب القيادة العملياتية الميدانية للحزب.
هيثم الطبطبائي… ضربة لـ “قوة الرضوان”
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، اغتالت إسرائيل القيادي هيثم الطبطبائي، أحد أبرز قادة “قوة الرضوان”، وحدة النخبة التابعة للحزب.
وجاءت العملية بعد محاولات سابقة لاستهدافه، في مؤشر على إصرار إسرائيل على ملاحقة القيادات المرتبطة بالقوة الأكثر حساسية داخل الحزب، والمسؤولة عن العمليات الخاصة والتكتيكات الهجومية.
أحمد بلوط… امتداد لنهج تعطيل إعادة تشكيل القيادة __
وفي أحدث حلقات الاغتيالات، أعلنت إسرائيل في مايو/أيار 2026 استهداف أحمد بلوط، قائد “قوة الرضوان”، في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، نُفذت العملية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فيما تحدثت تقارير عن استخدام صواريخ أُطلقت من بارجة حربية إسرائيلية لاستهداف شقة في حارة حريك.
ويكشف الانتقال من اغتيال حسن نصرالله إلى استهداف أحمد بلوط عن تحول جذري في الاستراتيجية الإسرائيلية: من ضرب “رأس الهرم” إلى استهداف كل شخصية قادرة على إعادة بناء البنية القيادية للحزب.
فالمعركة، كما يبدو، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حرب استنزاف استخبارية وأمنية تهدف إلى منع حزب الله من استعادة تماسكه القيادي، وإبقاء بنيته التنظيمية في حالة استنزاف دائم.
