شهد عرض مسرحية “غمّض عين فتّح عين” الذي استضافتها خشبة مسرح 13 آرت في باريس أمس الأربعاء، حضورًا جماهيريًا كثيفًا عكس بوضوح حجم الإعجاب بموهبة بطلي العمل فؤاد يمين وسينتيا كرم، وبقدرة المسرحية على لمس الذاكرة اللبنانية المشتركة.
يبدأ العرض كما ينتهي، بتفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، وبين البداية والنهاية تمتد رحلة زمنية تعبر الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) وكل ما تلاها من تحوّلات سياسية واجتماعية واقتصادية، في سرد بصري وإنساني مكثّف.
تقوم المسرحية، التي كتبها وأخرجها كريم شبلي وسارة عبدو، على خمسة أقسام، تتنقّل خلالها الشخصيات بين مراحل الصبا، ومنتصف العمر، والشيخوخة. ويتميّز العمل بتقنية إخراجية مبتكرة، حيث يتزاوج المسرح مع المونتاج والتقنيات السينمائية، ما يمنح العرض إيقاعًا بصريًا أشبه بـ”بلاي باك” سينمائي حيّ. وتُسهم السينوغرافيا المتحرّكة، عبر ديكور فعّال وديناميكي، في تعزيز هذا الإحساس، بحيث يبدو العرض أقرب إلى فيلم يُشاهد على خشبة مسرح.
ينطلق العرض مع العجوز برهوم، الجالس على كرسي الحمّام، يتصفح عبر “فايسبوك” صور عارضات أزياء، قبل أن تقتحم زوجته عيوّد المشهد، مستعجلة ً إياه تارة، وموبّخةً إياه طورًا على إهماله صحته وفوضويته. ومن هذا المشهد اليومي البسيط، يأخذنا الثنائي في رحلة عمر حافلة بقصص صغيرة تشبه ما يدور في كل بيت لبناني: تلاسن وعتاب، محبة وخوف متبادل، شجار وسخرية، ليظهر في النهاية كيف يصبح كل منهما سندًا للآخر رغم كل المآخذ.
يتخلّل هذا المسار نقاش مطوّل ومشحون بالكوميديا عن ابنهما الوحيد نوح المهاجر وشوقهما إليه. وفي أحد المشاهد اللافتة، تحاول عيوّد منع برهوم من بيع المنزل لابن أخيها، فيما يصرّ هو على ذلك، لا عقابًا للابن بقدر ما هو محاولة لتأمين مستقبل زوجته ماديًا بعد رحيله. وتنتهي المشاحنات بعناق صامت، سرعان ما ينتهي على وقع انفجار مرفأ بيروت، في انتقال صادم من الحميمي إلى الكارثي.
وفجأة، يعود الزمن بالشخصيتين إلى أيام الصبا. تظهر عيوّد بـ«الميني جوب»، فيما يستعيد برهوم شبابه بعضلات مشدودة وحضور جذّاب. يعرض هذا الجزء لحظة تأسيس المنزل قبل الزواج، حيث يقوم العريس بإصلاحات في الحمّام، الذي يبقى مكان الحدث الرئيسي طوال خمسة مشاهد. اختيار الحمّام ليس تفصيلًا عابرًا، بل مساحة مكثّفة للخصوصية: فيه تُكتشف اختبارات الحمل، وتظهر أعراض الأمراض، ويصبح ملجأ أثناء القصف، وملاذًا يستحوذ على وقت المسنّين.
ويمر النص على تفاصيل الحياة الزوجية بكل تناقضاتها: من الحمل والإجهاض، إلى انتظار الولادة طويلًا، وصولًا إلى مجيء الابن المنتظر. تفاصيل صغيرة، لكنها تشكّل في مجموعها مرآة مكبّرة لحياة لبنانية كاملة، بكل ما فيها من وجع وحنين وسخرية.
تغمز المسرحية بذكاء من قضايا اجتماعية حساسة، كالمساكنة والإنجاب خارج إطار الزواج، وتقدّم نقدًا مبطّنًا لموروثات شعبية متجذّرة، من الإيمان بالحسد و”صيبة العين” إلى الغيرة القاتلة بين النساء. أما الإطار الأوسع، فيتمثّل في السياسة والأخبار التي يتابعها برهوم بشغف، على غرار كثير من اللبنانيين، حيث تحضر الأزمات المعيشية، وتراجع سعر صرف الليرة، وشبح الحرب، واستمرار عدم الاستقرار، كخلفية دائمة ترافق الشخصيات عبر الأزمنة.
كما تسلّط المسرحية الضوء على التعلّق العميق بالدين وعبادة السيدة العذراء في المجتمع اللبناني، إذ تُمنح هذه الشخصية حضورًا بارزًا على الخشبة، وتؤدي سينتيا كرم ترنيمة بخشوعٍ لافت، مرتديةً ثوب النذور الأزرق، في مشهد يجمع بين الروحانية والجمالية المسرحية.
وقبيل إسدال الستارة، تعيد المسرحية استنساخ الفصل الأول في مشهدها الختامي، إذ تدخل العجوز إلى المنزل على الحوار نفسه، لكن من دون زوج يخاصمها في الحمّام أو يتصفّح هاتفه. هذه المرّة، تكون وحيدة تمامًا. بهذا التحوّل، يُسقط العمل الطابع الكوميدي الذي طبع الفصل الأول والمسرحية عمومًا، ويستبدله بلحظة ميلودرامية مباغتة، تفجّر لدى الجمهور إحساسًا حادًا بالوحدة والفقدان، وتمنح الخاتمة ثقلها العاطفي الصادم.
بهذا العمل، لا تقدّم “غمّض عين فتّح عين” مجرّد عرض مسرحي، بل شهادة حيّة على ذاكرة بلد، تُروى من أكثر الأماكن حميمية.. الحمّام، حيث تنكشف الحياة بلا أقنعة.
