سامح خضر
تعامل العالم العربي مع الصهيونية باعتبارها اتجاهاً فكرياً واحداً، دون تمييز تقريباً بين تياراتها المتعددة ومساحات التقاطع والافتراق بينها. وخلافاً للحركات الأيديولوجية الكبرى كالقومية والاشتراكية والشيوعية، التي انتشرت في الفضاء العام والشارع قبل أن تتبناها الصالونات السياسية، نشأت الحركة الصهيونية في أروقة النخب وصالونات الدبلوماسية، وظلت حبيسة دوائرها الضيقة دون أن تتحول إلى حركة جماهيرية جامعة قادرة على نسج شرعية شعبية خارج حدودها النخبوية. تتفرع من الصهيونية تيارات مثل الصهيونية السياسية، والاشتراكية العمالية، والدينية، والثقافية والتصحيحية. وانضمام أحدهم إلى تيار فكري من هذه التيارات لا يعني بالضرورة معارضته للتيار الآخر، فيمكن للمرء أن يكون صهيونياً سياسياً واشتراكياً في آن، أو ثقافياً وتصحيحياً دون تعارض بين النهجين. نشأت الصهيونية الدينية تاريخياً على ثالوث: الدين، القومية، والأرض، منطلقة من اعتبار “الشعب اليهودي” ليس مجرد جماعة دينية، بل “أمة ذات أرض تاريخية”. غير أن التحول الأيديولوجي الأبرز في هذا التيار حدث عقب احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967؛ حيث جرى توظيف المكاسب العسكرية وتفسيرها عبر مخيال ثيولوجي خلاصي، تجسد عملياً في صعود حركة “غوش إيمونيم” (تكتل المؤمنين) التي حولت الاستيطان من أداة أمنية للدولة إلى فريضة خلاصية ترتكز على ثالوث مستحدث: الأرض، والاستيطان، والخلاص التوراتي.
لا يمثل الاستيطان في منظور الصهيونية الدينية مجرد أداة لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي، بل فريضة دينية تحظى بأولوية وجودية مطلقة. ولشرعنة هذا المسار، عمد المستوطنون إلى تحصين ممارساتهم بإطار فقهي يبرر انتهاكاتهم داخل منظومة الإيمان. واللافت هنا أن الفتوى لا تسبق الفعل غالباً، بل تصدر بأثر رجعي لتسبيغ القداسة عليه بعد وقوعه.
يستند منظرو هذا الاتجاه إلى واقعة توراتية مؤسسة؛ تتجسد في شخصية “بنحاس بن أليعازار” حفيد هارون؛ ففي خضم وباء اجتاح العبرانيين وحصد آلاف الأنفس - فسر آنذاك لاختلاطهم بنساء موآب ومديان- أقدم رجل يدعى “زمري بن سالو” على إدخال امرأة مديانية تدعى “كزبي بنت تسور” إلى خيمته على مرأى من القوم، فما كان من بنحاس إلا أن استل رمحاً وقتلهما معاً بدافع “الغيرة للرب”. وبحسب الرواية، كانت هذه الغيرة كفيلة برفع الوباء. وتكمن المفارقة في أن القاتل لم يعاقب على تجاوزه الفردي، بل كوفئ بمنحه “عهد السلام الإلهي”؛ مما رسخ معادلة خلاصية ترى في العنف الدامي طريقاً لنيل التقديس والكهنوت، ما أسس في الوعي الأصولي لقاعدة خطيرة: أن العنف غير المنضبط - عندما يغلف بالغيرة الدينية - يصبح أداة التطهير والمدخل لنيل المباركة الإلهية.
ولم تكن هذه الهندسة الثيولوجية للعنف لتبقى حبيسة النصوص التوراتية دون حوامل بشرية نقلتها إلى أرض الواقع؛ وهنا تحديداً تمثل بولندا الرافد الأكبر لتصدير هذا العنف الصهيوني نحو فلسطين؛ فمنها انحدر دافيد بن غوريون، وإبراهام شتيرن، ومناحيم بيغن، وإسحاق شامير، وعائلة نتنياهو. وفي صدارة هؤلاء يقف الحاخام دوف ليئور، الذي هاجر إلى فلسطين عام 1947 وتتلمذ على يد الأب الروحي للاستيطان في الضفة والقطاع، الحاخام تسفي يهودا كوك.
من أروقة المدارس التلمودية في القدس، صاغ ليئور منظومته الراديكالية وتدرج في الهيكل الديني حتى بات الحاخام الأكبر لإحدى أكثر البؤر الاستيطانية تطرفاً: مستوطنة “كريات أربع” في الخليل. ومن هناك دشن مرحلة بالغة الخطورة من الفتاوى التلمودية الدموية؛ حين كتب مقدمة كتاب “توراة الملك” الذي ألفه عدد من الحاخامات، مبيحاً قتل الأطفال والرضع إذا شكلوا “خطراً محتملاً” في المستقبل على أمن اليهود. أثارت تلك التزكية حينها أجهزة الأمن، فاستصدرت الشرطة أمراً للتحقيق معه، غير أنه رفض المثول كلياً؛ وحين شرعت السلطات في اعتقاله، اندلعت احتجاجات واسعة من غلاة المستوطنين لفرض حصانة مطلقة لحاخامهم فوق القانون.
في مسرحية “البوتقة” للكاتب آرثر ميلر، تبدأ الأزمة باتهام فتيات بممارسة السحر، لسرعان ما تتحول تهمة التشكيك إلى هستيريا جماعية ومحاكمات تفتيش تنتهي بإعدام عدد من الأبرياء. وفي بؤرة هذه المحاكمة، يقف القاضي دانفورث، رئيس المحكمة ونائب الحاكم، الذي لا يقدمه ميلر بوصفه مجرد قاض ينطق بالأحكام، بل تجسيداً لسلطة المؤسسة التي ترى أن هيبتها تنبع أساساً من احتكار الحقيقة وتأويلاتها.
وتلك الثنائية الإقصائية التي أشهرها دانفورث “إما أن يكون المرء مع هذه المحكمة، أو ضدها”، هي ذاتها القاعدة المؤسسة لفقه دوف ليئور؛ إذ يصنف الوجود الإنساني والسياسي قسراً: إما تسليماً مطلقاً بمشروع الصهيونية الدينية، وإما مجاهرةً بالعداء للإرادة الإلهية. هنا يلتقي دانفورث بليئور في المنطلق والغاية؛ إذ ينفي الحاخام عن فتاواه شبهة الاجتهاد السياسي الفردي ليرفعها إلى مرتبة الأمر الإلهي الملزم عبر الهالاخاه (الشريعة اليهودية). إن كلا منهما يدعي التواضع أمام سلطة عليا لا يملك لها دفعاً، بينما يمارس في الحقيقة أعلى درجات الاستبداد العقائدي: بمصادرة الحقيقة أولاً، وفرض السقف المعرفي الذي لا يجوز للعقل البشري تجاوزه عبر التفكير خارجه.
دوف ليئور ليس سوى مطلق صفارة الإنذار للتحول الجذري في مشروع صهيوني انطلق استعمارياً، لينتهي به المطاف مزاوِجاً بين التوسع العسكري والمخيال ال ثيولوجي. وكما أحرق القاضي دانفورث مدينته باسم الإله في مسرحية ميلر، يقود ليئور وتلاميذه إسرائيل اليوم إلى هاوية سحيقة؛ تختزل فيها الدولة ومستقبلها في نزوات “شبيبة التلال” وأوهام الخلاص “البنحاسي”.
لقد باتت إسرائيل حبيسة عباءة “مفتي الديار العبرية”، تلك العباءة التي تعيد رسم سياسة المجتمع بأسره، وتدفع نحو اعتبار القوانين المدنية لغواً باطلاً أمام سطوة الهالاخاه وأوامر الحاخامات. إن خطورة ليئور لا تكمن في فاشيته الفقهية فحسب، بل في نجاحه التاريخي في نقل “منطق التفتيش” من هوامش “كريات أربع” إلى مركز الكابينت والكنيست؛ ليصبح السؤال المركزي المطروح داخل المجتمع الإسرائيلي اليوم ليس حول مصير الاحتلال في الضفة والقطاع، بل حول مصير الدولة ذاتها بعد استبدالها طواعية القوانين المدنية بفتاوى توراة الملك، وتتحول من كيان سياسي يدير الصراع إلى رهينة تدار وفق نزوات المفتي.
