انتهت معادلة “جيش وشعب ومقاومة” التي عرفها لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية في مطلع التسعينيات، والتي حكمت مشهده الأمني والسياسي ل عقود. فخطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أكّد “حق الدولة في احتكار السلاح”، رسم مدخلاً لحقبة أمنية جديدة، استكملها قرار الحكومة في الخامس من آب، القاضي بتكليف الجيش وضع خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة، تلاه قرار الثاني من آذار الرامي إلى حظر الأعمال العسكرية لحزب الله.
وبذلك، يكون لبنان قد دخل، سياسياً على الأقل، مرحلة مختلفة عن تلك التي قامت على تبنّي الدولة لـ”المقاومة” عبر بياناتها الوزارية، وعلى تقسيم ضمني للأدوار الأمنية بين جيش يحافظ على الاستقرار الداخلي ويحمي الحدود، وبين حزب الله الذي اضطلع بدور “المقاومة”.
لكن لبنان يدخل هذه الحفبة السياسية- الأمنية الجديدة بأجهزة أمنية تعكس، في بنيتها ونهج عملها، حقبات سياسية أصبحت من الماضي. فهل تستطيع هذه المؤسسات، بتركيبتها الحالية، مواكبة مرحلة عنوانها حصر السلاح بيد الدولة وتطبيق القرارات الحكومية والدولية، وفي مقدّمها القرارات الحكومية والدولية، وفي مقدمها القراران ١٥٥٩ و١٧٠١؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم كيف أثّرت التحولات السياسية التي عرفها لبنان منذ نهاية الحرب على نهج عمل هذه المؤسسات ومقاربتها للأمن والاستقرار.
إعادة هيكلة الجيش بعد الحرب: بين الطائف والوصاية السورية
لا يمكن فصل الأمن عن السياسة، فالأمن ليس إلا امتداداً مباشراً للحالة السياسية التي يعيشها البلد، والأجهزة الأمنية كما نعرفها اليوم هي نتاج الحقبة التي أعقبت الحرب الأهلية.
تمت إعادة هيكلة الجيش اللبناني في لحظة سياسية مفصلية: إقرار اتفاق الطائف، ترسيخ النظام التوافقي والطائفي، تثبيت الوصاية السورية على لبنان، وحلّ الميليشيات وإعادة دمج جزء من عناصرها داخل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، دخل الجيش مرحلة إعادة توحيد هدفت إلى دمج الوحدات العسكرية المختلفة داخل مؤسسة واحدة، وإعادة التوازن الطائفي داخل جسم الضباط والعسكريين. كما حملت هذه العملية بعداً وطنياً، إذ طُرحت المؤسسة العسكرية كنموذج للوحدة الوطنية وكمؤسسة عابرة للطوائف في بلد خرج من حرب أهلية مدمّرة.
إلّا أنّ إعادة بناء الجيش جرت ضمن واقع سياسي وأمني خاضع للوصاية السورية. فدمشق دعمت إعادة توحيد المؤسسة العسكرية، لكن ضمن حدود واضحة: المطلوب كان جيشاً موحّداً يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع عودة الحرب، لا مؤسسة عسكرية تمتلك هامشاً سيادياً مستقلاً خارج السيطرة السياسية والأمنية التي فرضتها سوريا على لبنان.
ومن هنا، شهدت المؤسسة العسكرية عملية إعادة دمج وتوازن داخلي، من دون أن يواكبها تطوير فعلي لدورها بما يسمح لها بلعب دور جيش دولة يحتكر وحده القوة والسيادة. فالأولوية خلال تلك المرحلة كانت بناء مؤسسة تحفظ الاستقرار الداخلي ضمن النظام السياسي والأمني الذي نشأ بعد الحرب وتحت الوصاية السورية.
لكن خروج سوريا من لبنان عام ألفين وخمسة لم يؤدِّ إلى انهيار هذا النموذج الأمني، بل إلى إعادة إنتاجه ضمن توازنات داخلية جديدة.
ما بعد الانسحاب السوري: “المعادلة الذهبية” و”الأمن بالتراضي”
بعد الانسحاب السوري، دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية جديدة برزت خلالها معادلة “جيش وشعب ومقاومة” كإطار حاكم للعلاقة بين الدولة وسلاح حزب الله.
فصحيح أن هذه المعادلة كانت قائمة خلال مرحلة الوصاية السورية، إلا أن تأثيرها بقي مضبوطاً ضمن السقف السياسي والأمني الذي كانت تديره دمشق. أمّا بعد الانسحاب السوري، فقد أصبحت “المعادلة الذهبية” أحد أبرز أطر إدارة التوازنات الداخلية والقرار الأمني في لبنان.
وفي هذه المرحلة، لم يقتصر تأثير حزب الله على امتلاكه سلاحاً خارج إطار الدولة، بل انعكس أيضاً على مقاربة الدولة والأجهزة الأمنية للعديد من الملفات الحساسة المرتبطة بتوازن القوى الداخلي. إذ فرض وجود قوة عسكرية تمتلك فائض قوة سقوفاً واضحة للقرار الأمني ولهامش تحرّك المؤسسات الأمنية، خصوصاً في الملفات التي قد تؤدي إلى صدام داخلي.
وقد شكّلت أحداث السابع من أيار محطة مفصلية في هذا السياق، إذ أظهرت حدود القرار الأمني اللبناني عندما يتعارض مع موازين القوى السياسية والعسكرية القائمة. ومنذ تلك اللحظة، ترسّخت أكثر فأكثر مقاربة تقوم على إدارة الاستقرار عبر التسويات والتفاهمات وتفادي الصدام، أي ما يمكن وصفه بـ”الأمن بالتراضي”.
كما انعكس منطق المحاصصة والتوازنات الطائفية، الذي حكم الحياة السياسية اللبنانية بعد الحرب، على المجال الأمني نفسه، سواء على مستوى التعيينات أو توزيع النفوذ داخل المؤسسات أو مقاربة الملفات الحساسة. وبات الحفاظ على التوازنات الداخلية جزءاً أساسياً من إدارة الشأن الأمني، ما قيّد أحياناً هامش القرار وربطه باعتبارات سياسية وطائفية تتجاوز البعد الأمني البحت.
وشكّل “الأمن بالتراضي” نهجاً سياسياً وأمنياً لإدارة الاستقرار في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، قام على تفادي الصدام مع موازين القوى الداخلية ومعالجة الملفات الحساسة عبر التسويات والتفاهمات، أكثر مما قام على فرض الدولة لسيادتها بشكل حاسم.
فالهدف خلال تلك المرحلة لم يكن احتكار الدولة الكامل للقوة، بل منع الانهيار الداخلي والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في ظل انقسام سياسي حاد ووجود سلاح خارج الدولة.
وانعكس هذا الواقع على دور الجيش نفسه، الذي حافظ على نهج يقوم على تحييد المؤسسة العسكرية عن الصراعات السياسية الداخلية، وتفادي الانخراط في مواجهات يمكن أن تهدد وحدتها أو الاستقرار الداخلي. وبذلك، استمر دور المؤسسة العسكرية كضامن للاستقرار والتوازن الداخلي، أكثر منه كأداة لفرض احتكار الدولة الحصري للقوة.
هل يصلح نهج ما بعد الحرب في مرحلة ما بعد “المقاومة”؟
يشكّل التخلي السياسي الرسمي عن معادلة “جيش وشعب ومقاومة” قطيعة مع المرحلة الأمنية التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. فحصر السلاح بيد الدولة لا يعني فقط اتخاذ قرار سياسي أو تطبيق القرارات الدولية، بل الانتقال من نهج قام لعقود على إدارة التوازنات واحتواء الانقسامات إلى مرحلة مختلفة عنوانها فرض قرار أمني واضح.
لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً حول النهج الأمني الذي حكم عمل المؤسسات العسكرية والأمنية منذ نهاية الحرب. فهذه المؤسسات، كما تشكّلت بعد الحرب وتطورت لاحقاً في ظل “المعادلة الذهبية” و”الأمن بالتراضي”، بُنيت أساساً ل حماية الاستقرار الداخلي وتفادي الصدامات، لا لإدارة مرحلة سياسية وأمنية تقوم على إنهاء واقع ازدواجية السلاح.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح لا يتعلق فقط بقدرات الأجهزة الأمنية أو نياتها، بل بمدى ملاءمة النهج الذي تشكّل بعد الحرب لمتطلبات المرحلة الجديدة.
فهل لا تزال مقاربة “الأمن بالتراضي” صالحة في مرحلة عنوانها حصر السلاح بيد الدولة؟ وهل تستطيع مؤسسات تشكّلت ضمن منطق التوازن والحياد النسبي أن تواكب واقعاً سياسياً وأمنياً مختلفاً؟
وتطرح المرحلة الجديدة تحديات داخلية مرتبطة بقدرة المؤسسات الأمنية على التحرّك في بيئة سياسية وطائفية شديدة الانقسام. فالدولة التي تريد احتكار السلاح تحتاج أيضاً إلى أجهزة أمنية محصّنة ضد خطاب الانقسام الطائفي، الذي لطالما قيّد هامش تحرّكها في الملفات الحساسة.
وفي هذا السياق، لا يقتصر النقاش على مسألة حصر السلاح، بل يطال طبيعة النهج الأمني الذي حكم لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية.
فهل دخل لبنان فعلاً مرحلة تفرض إعادة التفكير بالنهج الأمني الذي حكم مرحلة ما بعد الحرب، وبإعادة تعريف وظيفة الأجهزة الأمنية ودورها في الواقع السياسي والأمني الجديد الذي يتشكّل؟
