لم يكن لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض مجرد محطة جديدة في مسار التقارب السعودي ـ السوري، ولا يبدو أن توقيته يمكن فصله عن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
فبينما كان الشرع يبحث مع القيادة السعودية في العلاقات الثنائية، وإعادة إعمار سوريا والاستثمارات وملفات التعاون الاقتصادي، كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التصعيد، من اليمن والبحر الأحمر إلى إيران، مروراً بالترتيبات الأمنية التي تعمل الرياض على بنائها مع شركائها الإقليميين.
ومن هنا تبرز فرضية أن سوريا الجديدة بدأت تتحول من ملف عربي يحتاج إلى الدعم، إلى طرف يمكن أن يكون جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع.
اليمن في خلفية المشهد
يصعب تجاهل التطورات اليمنية عند قراءة توقيت اللقاء. فالسعودية تخوض مرحلة جديدة من المواجهة مع الحوثيين، فيما تتقدم القوات اليمنية المدعومة من الرياض على محاور استراتيجية في الساحل الغربي، بالتزامن مع تصعيد حوثي باتجاه الأراضي السعودية.
ولا توجد معطيات موثوقة تثبت أن الرياض طلبت من دمشق دوراً عسكرياً في اليمن، لكن السؤال الأوسع هو ما إذا كانت السعودية تبحث مع الشرع في موقع سوريا داخل المنظومة الأمنية العربية الجديدة.
وهذا الملف يكتسب أهمية خاصة مع انخراط السعودية في ترتيبات أمنية متنامية مع تركيا وباكستان، ومع سعي الرياض إلى توسيع شبكة شركائها في مواجهة مصادر التهديد الإقليمي.
من إعادة إعمار سوريا إلى إعادة تموضعها
السعودية كانت من أبرز الدول العربية التي فتحت الباب أمام إعادة دمج سوريا في محيطها العربي. والاستثمار في سوريا لا يتعلق فقط بإعادة بناء المدن والبنية التحتية، بل بإعادة تشكيل موقع دمشق السياسي والاقتصادي.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين أن تكون سوريا دولة تحتاج إلى المساعدة، وأن تصبح شريكاً في التوازنات الإقليمية.
وهنا تكمن أهمية اللقاء.
فالشرع يقود سوريا في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية: دولة خرجت من سنوات الحرب، وتريد استعادة علاقاتها العربية والدولية، لكنها تقع في قلب شبكة معقدة من المصالح الإيرانية والتركية والإسرائيلية والعربية.
والرياض تريد، في المقابل، أن تعرف إلى أي حد تستطيع دمشق أن تكون جزءاً من النظام الإقليمي الذي تعمل السعودية على بنائه.
إيران وإسرائيل ولبنان… ملفات خلف الستار
عندما تتحدث الرياض ودمشق عن «مستجدات المنطقة»، فإن ذلك يعني عملياً مجموعة ملفات تتجاوز الحدود السعودية ـ السورية.
إيران حاضرة في المشهد، وكذلك إسرائيل، ومستقبل الحدود السورية، وترتيبات الأمن في المنطقة، فضلاً عن لبنان الذي يرتبط أمنه واستقراره بصورة مباشرة بأي تغيير في علاقة دمشق بالرياض.
لكن من المهم عدم الذهاب أبعد من المعطيات المتوافرة: لا توجد مؤشرات معلنة على أن لبنان كان بنداً رئيسياً في اللقاء. إلا أن موقع سوريا في أي ترتيب إقليمي جديد يجعل انعكاسات هذا التقارب على لبنان مسألة يصعب تجاهلها.
دعوة بن سلمان إلى دمشق
الأكثر دلالة في اللقاء ربما كان توجيه الشرع دعوة رسمية إلى محمد بن سلمان لزيارة سوريا.
فزيارة ولي العهد السعودي إلى دمشق، إذا تمت، ستكون ذات وزن سياسي يتجاوز البروتوكول. وهي ستعني عملياً أن السعودية لا تكتفي بدعم استقرار سوريا، بل تريد تثبيت عودة دمشق إلى النظام العربي الجديد.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً:
هل تريد الرياض من الشرع أن يكون شريكاً في إعادة إعمار سوريا فقط، أم شريكاً في إعادة صياغة ميزان القوى في المنطقة؟
التوقيت ، والملفات التي تتحرك بالتوازي، يوحيان بأن الإجابة قد تكون أقرب إلى الاحتمال الثاني.
فاليمن والبحر الأحمر، وإيران، وتركيا وباكستان، وسوريا، وربما لاحقاً لبنان، ليست ملفات منفصلة بالضرورة. وقد تكون جميعها أجزاء من صورة واحدة: محاولة سعودية لإعادة بناء منظومة نفوذ وأمن عربية، تكون دمشق الجديدة إحدى حلقاتها.
