عندما يبدأ القلق في ا لتصاعد، قد يبدو من الصعب إيقاف سيل الأفكار والمخاوف التي تتزاحم في الذهن. لماذا نشعر أحيانًا بأن أجسادنا في حالة تأهب دائم؟ وهل يمكن لبعض العادات البسيطة أن تساعد على تهدئة هذا التوتر قبل أن يتحول إلى نوبة هلع أو دوامة من الأفكار المقلقة؟
في كتابه «الشفاء من القلق في 6 جلسات» (Guérir de vos angoisses en 6 séances)، الصادر عن دار Robert Laffont، يقدم الطبيب والمعالج النفسي د. فيليب بريسليس مقاربة تقوم على فهم آليات الخوف والقلق والتعامل معها من خلال مجموعة من الأدوات العملية.
وتنطلق فكرته الأساسية من مبدأ بسيط: كلما انخفض مستوى التوتر العصبي، تراجعت الظروف التي قد تغذي نوبات الهلع والاجترار الفكري والأفكار المتطفلة.
ومن بين الأدوات التي يسلط الكتاب الضوء عليها ثلاثة محاور أساسية: تنظيم التنفس، تحريك الجسم، والانغماس في نشاط قادر على جذب الانتباه بالكامل.
1. التنفس ببطء عندما يبدأ القلق بالتصاعد
قد يبدو التنفس أمرًا تلقائيًا لا يحتاج إلى تفكير، لكنه يصبح أكثر سرعة واضطرابًا لدى بعض الأشخاص عندما يشتد التوتر.
ولهذا يلفت بريسليس الانتباه إلى أهمية العودة إلى تنفس أكثر هدوءًا وبطئًا، خصوصًا عند الشعور بتصاعد القلق. والفكرة ليست في «حبس» النفس أو إجبار الجسم على نمط معين، وإنما في إبطاء وتيرة التنفس بصورة مريحة وطبيعية.
ويربط الكتاب هذه الممارسة بما يعرف بـالتنفس المتناغم أو الاتساق القلبي التنفسي، وهي تقنيات تقوم على تنظيم نمط التنفس بهدف المساعدة على تهدئة الاستجابة المرتبطة بالتوتر.
ويستشهد بريسليس بأفكار الكاتب جيمس نيستور، مؤلف كتاب Breath، حول أهمية التنفس بصورة أبطأ وأعمق.
لكن الأبحاث العلمية لا تعني أن التنفس وحده يعالج اضطرابات القلق. فقد وجدت مراجعة تحليلية منشورة في مجلة Scientific Reports عام 2023 أن تمارين التنفس المنظم يمكن أن ترتبط بانخفاض في مستويات التوتر المدركة، مع تأثير يتراوح بين الصغير والمتوسط، مع ضرورة الحذر في تفسير النتائج بسبب وجود بعض القيود المنهجية في الدراسات التي شملتها المراجعة.
2. الحركة تساعد على الخروج من دوامة التفكير
المحور الثاني في منهج بريسليس هو النشاط البدني.
فعندما يستحوذ القلق على الذهن، يمكن أن ندخل في دائرة من التفكير المتكرر: ماذا لو حدث كذا؟ ماذا لو ساءت الأمور؟ هل اتخذت القرار الصحيح؟ وقد يصعب الخروج من هذه الحلقة بمجرد محاولة «التفكير بشكل إيجابي».
هنا تأتي أهمية الحركة.
ويرى بريسليس أن النشاط الرياضي يمكن أن يساعد على إعادة التركيز إلى اللحظة الحالية بدل البقاء أسرى للأفكار المتكررة. كما يمكن للنشاط البدني أن يكون مفيدًا للنوم، وهو عامل يرتبط بدوره بالصحة النفسية.
وتدعم مجموعة واسعة من الأبحاث وجود علاقة بين النشاط البدني وتحسن بعض أعراض الاكتئاب والقلق والضيق النفسي. فقد راجعت دراسة شاملة نُشرت في British Journal of Sports Medicine عددًا كبيرًا من المراجعات والتجارب، وخلصت إلى وجود فوائد ملحوظة للنشاط البدني في هذه المجالات مقارنة بالرعاية المعتادة.
ولا يعني ذلك أن ممارسة الرياضة تحل محل العلاج النفسي أو الدوائي عند الحاجة، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من نمط حياة داعم للصحة النفسية.
3. «التدفق»: عندما يختفي الإحساس بالوقت
أما الفكرة الثالثة التي يتوقف عندها بريسليس فهي ما يعرف في علم النفس بمفهوم «التدفق» (Flow).
وهو الحالة التي ينغمس فيها الشخص بصورة عميقة في نشاط معين، إلى درجة يتراجع معها الانتباه إلى الوقت والمحيط، ويصبح التركيز منصبًا بالكامل على ما يقوم به.
قد يحدث ذلك أثناء الرسم أو العزف على آلة موسيقية أو الكتابة أو الطبخ أو الأعمال اليدوية أو ممارسة إحدى الهوايات. ولا توجد هواية واحدة تناسب الجميع؛ المهم أن يكون النشاط قادرًا على جذب الانتباه وإبعاد الذهن مؤقتًا عن السيناريوهات المقلقة.
الفكرة هنا ليست الهروب من المشكلات، بل منح الدماغ فترة من الانشغال المنظم بدل تركه يدور بلا توقف حول الاحتمالات السلبية.
القلق لا يعني دائمًا وجود خطر حقيقي
من الأفكار المهمة في التعامل مع القلق فهم أن الشعور بالخطر لا يعني بالضرورة وجود خطر فعلي في اللحظة نفسها.
فالقلق يمكن أن يفعّل استجابة جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب والتوتر العضلي وتسارع التنفس، ما قد يدفع الشخص إلى الاعتقاد بأن شيئًا خطيرًا يحدث بالفعل. ومن هنا يمكن أن تبدأ حلقة تغذي نفسها بنفسها: الشعور الجسدي يثير الخوف، والخوف يزيد الأعراض الجسدية، ثم تُفسَّر هذه الأعراض باعتبارها دليلًا إضافيًا على الخطر.
يسعى نهج بريسليس إلى كسر هذه الحلقة عبر أدوات عملية تساعد الشخص على استعادة قدر أكبر من الهدوء والسيطرة على انتباهه.
ثلاث خطوات بسيطة عند تصاعد التوتر
يمكن تلخيص الأفكار الأساسية في الكتاب في ثلاثة اتجاهات عملية:
خفّف سرعة التنفس: حاول العودة إلى تن فس هادئ ومريح بدل التنفس السريع المرتبط بالتوتر.
حرّك جسمك: المشي أو الرياضة أو أي نشاط بدني مناسب يمكن أن يساعد على تحويل الانتباه بعيدًا عن الاجترار الفكري.
انغمس في نشاط تحبه: ابحث عن نشاط يجذب انتباهك بالكامل ويمنحك فترة من التركيز بعيدًا عن الأفكار المقلقة.
لكن هذه الخطوات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها علاجًا شاملًا لكل أشكال القلق. فإذا كان القلق شديدًا أو متكررًا أو يؤثر في النوم والعمل والعلاقات والحياة اليومية، فمن المهم طلب تقييم ومساعدة من مختص في الصحة النفسية.
ما الذي يريد الكتاب أن يقوله في النهاية؟
لا يقدّم كتاب «الشفاء من القلق في 6 جلسات» القلق باعتباره مجرد ضعف في الإرادة، بل يحاول التعامل معه باعتباره ظاهرة يمكن فهم آلياتها والتدرب على الاستجابة لها بصورة مختلفة.
والرسالة الأبرز في هذا المنظور هي أن الشخص لا يستطيع دائمًا التحكم في ظهور الفكرة المقلقة، لكنه يستطيع تدريجيًا أن يتعلم كيفية التعامل معها، وألا يسمح لها بأن تسيطر بالكامل على انتباهه وسلوكه.
وفي لحظات التوتر، قد تكون البداية بسيطة: تنفس بهدوء، حرّك جسدك، ثم امنح ذهنك شيئًا يستحق أن ينشغل به.
وهذه الأدوات يمكن أن تكون مفيدة ضمن استراتيجية أوسع للعناية بالصحة النفسية، لكنها لا تغني عن الاستشارة المتخصصة عندما يكون القلق شديدًا أو مستمرًا.
