نجح نموذج للذكاء الاصطناعي في فك شفرة رسالة عسكرية فرنسية تعود إلى عام 1809، بعدما بقي مضمونها غير مكتمل لأكثر من قرنين، في إنجاز قال الباحثون إنه يتيح للمرة الأولى قراءة الوثيقة كاملة.
وبحسب المهندس كارتر تشيرش، العامل في شركة الأمن السيبراني SentinelOne، تمكن نموذج Astra من قراءة الوثيقة وفك شيفرتها خلال نحو ست ساعات، بدءًا من تحليل صورة المخطوطة وصولًا إلى مطابقة النتائج مع السجلات التاريخية.
وأوضح تشيرش أن النموذج قسّم صورة الوثيقة، التي يبلغ حجمها 1.202 × 1.836، إلى صفوف، ثم تعرّف إلى الرموز اليدوية وحدد الأنماط المتكررة بينها. وبعد ذلك حلّل نظام التشفير المستخدم، وهو شيفرة إحلال «هوموفونية» متعددة الرموز، وكتب الأكواد اللازمة للمساعدة في عملية فكها.
رسالة بأوامر نابليون
الوثيقة ليست رسالة كتبها نابليون بونابرت بنفسه، بل موجز أوامر عسكري صدر عن مقر يوجين دو بوهارنيه، نائب ملك إيطاليا، بناءً على تعليمات نابليون، وكان موجّهًا إلى الجنرال الفرنسي أوغست دو مارمون، قائد القوات الفرنسية في دالماتيا.
وكان نابليون قد أمر، في 16 ما رس 1809، بإبلاغ مارمون بمواقع القوات الفرنسية والحليفة الرئيسية، على أن تُرسل المعلومات «بالشيفرة» بواسطة ضابط موثوق.
وكشف فك الرسالة عن معلومات عسكرية تتعلق بمواقع القوات الفرنسية والبافارية والبولندية، إضافة إلى تقديرات لأعداد القوات وتحركاتها، في وقت كانت فيه أوروبا تستعد لمواجهة جديدة بين فرنسا والنمسا.
وجاء في إحدى فقرات الرسالة، وفق النسخة التي أعاد تشيرش بناءها، أن القوات الروسية تتجه نحو النمسا، وأن جيش فريولي يضم نحو 80 ألف رجل، مع توجيهات إلى مارمون بشأن التحرك العسكري وعدم التردد أمام تجمعات القوات المعادية.
عقود من المحاولات
وكان عدد من الباحثين قد حاولوا على مدى عقود إعادة بناء محتوى الوثيقة، لكن لم تُنشر، بحسب تشيرش، نسخة كاملة ومفكوكة منها.
وبالاعتماد على أعداد القوات وأسماء الضباط ومواقع الوحدات الواردة في الرسالة، خلص تشيرش إلى أن الوثيقة تعود إلى أواخر مارس 1809، أي قبل نحو أسبوعين من الهجوم النمساوي على القوات الفرنسية.
وفي 18 سبتمبر، نشر تشيرش سجل أبحاثه كاملًا، بما في ذلك النص الذي أعاد بناءه وجداول الشيفرة والبرمجيات المستخدمة، بما يسمح لباحثين آخرين بمحاولة إعادة إنتاج النتيجة.
كما راجع الباحث المقيم في طوكيو ساتوشي توموكيو، المشرف على موقع Cryptiana المتخصص في تاريخ التشفير، الحل الذي توصل إليه تشيرش، ووضع على المدخل علامة «محلول».
وتسلط التجربة الضوء على استخدام الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الوثائق التاريخية المعقدة، خصوصًا تلك التي تجمع بين الكتابة اليدوية والشيفرات القديمة والسياق العسكري، بعدما كانت عملية فكها تتطلب سنوات من البحث المتخصص.
