شهد مجلس النواب اللبناني، اليوم الثلاثاء، جلسة المناقشة العامة للحكومة برئاسة رئيس المجلس نبيه بري، وسط نقاشات سياسية ومالية وأمنية حادة، تركزت على أداء الحكومة، وتداعيات الحرب، وملف التفاوض مع إسرائيل، وحصرية السلاح بيد الدولة، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والمالية وإعادة الإعمار.
وفي مستهل الجلسة، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن حكومته تقف أمام المجلس تحت عنوان «الإصلاح والإنقاذ»، مشدداً على أن الواقع اللبناني «صعب جداً»، لكنه ليس مستحيلاً، داعياً إلى وضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.
وأشار سلام إلى أن الحربين اللتين شهدتهما البلاد كلفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز الكلفة الإجمالية 27 مليار دولار بعد استكمال احتساب تداعيات حرب 2026، لافتاً إلى أن هذه الأرقام لا تشمل الخسائر غير المباشرة، ومنها هجرة الكفاءات وتراجع الاستثمارات وتأثر التعليم وانخفاض قيمة الأصول وتأخير التعافي المالي.
ولفت إلى أن حصيلة الحربين بلغت نحو 9 آلاف شهيد وأكثر من 30 ألف جريح، فضلاً عن نزوح أكثر من مليون شخص وتدمير عشرات آلاف المنازل، مؤكداً أن حجم الدمار يفوق قدرة الدولة على تحمّله منفردة، وأن إعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل عربي ودولي كبير.
وأكد سلام أن الحكومة تعمل على تأمين عودة آمنة للنازحين، وإعادة فتح الطرقات وإصلاح البنى التحتية وشبكات الاتصالات والكهرباء والمياه، وترميم المدارس والمنازل المتضررة.
وفي الملف المالي، شدد رئيس الحكومة على أن لبنان لن يستعيد النمو والثقة من دون استكمال الإصلاحات المالية والمصرفية، داعياً مجلس النواب إلى البدء بمناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع المعروف بـ«قانون الفجوة المالية»، ومؤكداً أهمية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
أما في الملف الأمني، فكرر سلام التأكيد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وأن حصر السلاح بيدها يمثل التزاماً حكومياً، مشيراً إلى أن الدولة اختارت التفاوض كوسيلة لاستعادة الحقوق بالطرق الدبلوماسية، وقال: «أنا لست هاوياً للتفاوض لمجرد التفاوض»، مؤكداً أن مسؤولية الدولة هي اختيار الطريق الأقل كلفة على اللبنانيين.
وفي السياق نفسه، أعلن النائب إبراهيم كنعان تأييده للمفاوضات الهادفة إلى وقف الحرب وتثبيت حقوق لبنان، معتبراً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، ومشيراً إلى ضرورة تأمين المناخ السياسي والتمويل اللازمين للجيش للقيام بمهامه.
في المقابل، انتقد النائب جميل السيد «اتفاق الإطار»، معتبراً أن له ترتيبات تنفيذية تترتب عليها نتائج، وأن عدم عرضه على مجلس النواب يجعله، بحسب رأيه، مخالفاً للدستور.
كما طالب نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب رئيس الحكومة بتقديم شرح أوضح حول تفاصيل اتفاق الإطار وما تحقق منه حتى الآن، محذراً من أن التكهنات الإعلامية حول الانقسامات السياسية ليست بريئة.
من جهته، دعا النائب هادي أبو الحسن إلى توحيد الموقف الوطني وإعادة النظر في الاتفاق، مؤكداً أن حماية لبنان تتطلب بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر القرار بالدولة، فيما شدد النائب فراس حمدان على رفض المزايدات، معتبراً أن جوهر الأزمة يتمثل في إطلاق الصواريخ والارتهان لأجندات الخارج والاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية.
وفي الملف التربوي، حذرت النائبة عناية عز الدين من تداعيات الحرب على القطاع التعليمي، مشيرة إلى أن العام الدراسي قد يتأخر شهراً على الأقل في المناطق الجنوبية المتضررة، ومطالبة بخطة طوارئ تربوية ودعم مالي مباشر للعائلات المتضررة.
الجلسة شهدت أيضاً مواجهة سياسية حادة بين رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ورئيس الحكومة. وقال باسيل إن كتلته تمثل «معارضة مسؤولة»، مطالباً بوقت أطول للمناقشة، ومؤكداً أن وجود التيار في السلطة سابقاً لا يسقط حقه في ممارسة المعارضة.
وانتقد باسيل أداء الحكومة في الملفات المالية والأمنية، قائلاً إن الحكومة، بحسب رأيه، لم تضع خطة إصلاح واضحة، كما اتهمها باتخاذ خطوات أمنية وعسكرية من دون استكمال معالجة ملف حصرية السلاح عبر مسار داخلي.
وفي ملف أموال المودعين، اتهم باسيل الحكومة بعدم إجراء التدقيق الجنائي المطلوب، منتقداً ما وصفه بسياسة تحميل المواطنين أعباء الأزمة المالية.
كما أكد باسيل تأييده للتفاوض مع إسرائيل بهدف وقف الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن لبنان يريد «السلام وليس الاستسلام»، وأن حصرية السلاح يجب أن تتحقق من خلال مسار داخلي لا عبر الاستقواء بالخارج.
ولم تخلُ الجلسة من سجال حاد بين النائبين علي عمار وأشرف ريفي، بعدما أكد عمار أن «المقاومة باقية» طالما بقيت أراضٍ لبنانية محتلة، ليرد ريفي بدعوته إلى أخذ «المقاومة إلى إيران»، متهماً إياها بتدمير البلد. وتبادل الطرفان اتهامات وعبارات حادة، قبل أن يتدخل الرئيس نبيه بري لضبط النقاش والتأكيد أن الجلسة مخصصة للمناقشة العامة وليست جلسة استجواب أو مساءلة، وأن الوقت المخصص لكل نائب هو خمس دقائق.
واعترض باسيل على تحديد مدة المداخلات، مؤكداً أن كتلته تقدمت بعشرات الأسئلة للحكومة ولم تحصل، بحسب قوله، إلا على إجابات عن جزء محدود منها.
وتأتي جلسة المناقشة العامة في ظل أزمات متشابكة أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، فيما تتركز الأنظار على قدرة الحكومة ومجلس النواب على بلورة موقف موحد من الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمها التفاوض مع إسرائيل، حصرية قرار الحرب والسلم، إعادة الإعمار، الإصلاح المالي، واستعادة أموال المودعين.
وبحسب النظام الداخلي لمجلس النواب، يحق لأي نائب طلب طرح الثقة بالحكومة خلال المناقشة العامة، إلا أن موازين القوى النيابية ونتيجة جلسة تجديد الثقة بالحكومة في تموز 2025 تجعلان احتمال إسقاط الحكومة داخل المجلس ضعيفاً في المرحلة الراهنة.