"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

إيران تعيد رسم «محور المقاومة»: من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن

نيوزاليست
الأحد، 9 أغسطس 2026

إيران تعيد رسم «محور المقاومة»: من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن

لم يختفِ «محور المقاومة» الذي بنت إيران نفوذها الإقليمي من خلاله طوال العقود الماضية، لكنه يمر بعملية إعادة تنظيم عميقة. فبعد الضربات التي أضعفت ركائزه في لبنان وسوريا، بدأت ملامح شبكة جديدة أكثر اعتماداً على العراق واليمن، وأقل تمركزاً حول حزب الله وسوريا.

هذه هي الخلاصة الأساسية التي يطرحها تحقيق موسع لصحيفة «لوموند»، استناداً إلى مجموعة من الباحثين والخبراء في الشأن الإيراني والعراقي والإقليمي. وترى الصحيفة أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وتراجع قوة حزب الله في لبنان غيّرا بصورة جوهرية الخريطة التي قامت عليها الاستراتيجية الإيرانية.

من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن

حتى نهاية عام 2024، كانت سوريا ولبنان والعراق تشكل ركائز أساسية في البنية الإقليمية التي بنتها طهران. وكانت سوريا تؤدي وظيفة استراتيجية خاصة، باعتبارها حلقة الوصل بين إيران ولبنان، وممراً أساسياً لدعم حزب الله.

لكن سقوط الأسد، إلى جانب الضربات الإسرائيلية التي أضعفت حزب الله وقطعت أو قيّدت طرق إمداده، أفقد هذه البنية جزءاً مهماً من تماسكها السابق.

ينقل التحقيق عن الباحث المتخصص في إيران حميدرضا عزيزي أن «المحور يواجه أكثر تحدياته حدة»، لكنه في الوقت نفسه أثبت قدرته على التكيف والصمود. وبحسب الباحث العراقي ريناد منصور، فإن التنظيمات العراقية القريبة من إيران والحوثيين في اليمن أصبحتا عنصرين أكثر أهمية في الاستراتيجية الإقليمية لطهران.

المسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق باستبدال حليف بآخر، بل بإعادة توزيع الوظائف داخل الشبكة الإيرانية.

العراق: منصة جديدة للضغط الإقليمي

يكتسب العراق أهمية متزايدة في هذه المعادلة بسبب موقعه الجغرافي ووجود فصائل مسلحة مرتبطة بإيران تتمتع بقدرات عسكرية وسياسية واسعة.

ويشير التحقيق إلى أن الفصائل العراقية الموالية لطهران بقيت في بدايات بعض المواجهات السابقة أكثر تحفظاً، لكنها دخلت الحرب الحالية منذ ساعاتها الأولى، وشنّت هجمات على مواقع أميركية في العراق والمنطقة، إضافة إلى أهداف إسرائيلية.

ويرى ريناد منصور أن العراق أصبح «منصة إطلاق مهمة» للهجمات التي تستهدف المصالح الأميركية في الخليج ومناطق أخرى.

وهنا تبرز أهمية التحول: فالعراق لم يعد بالنسبة إلى الاستراتيجية الإيرانية مجرد عمق جغرافي أو ساحة نفوذ سياسي، وإنما يمكن أن يتحول إلى مركز عملياتي يربط إيران بالخليج وبقية ساحات المواجهة.

اليمن: قيمة استراتيجية تتجاوز حدود البلد

أما اليمن، فيمنح إيران ورقة مختلفة.

فالسيطرة الحوثية على مناطق واسعة من شمال اليمن، إلى جانب القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي طورها الحوثيون بدعم إيراني، تجعل الموقع اليمني قادراً على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى إمكانية استهداف العمق السعودي والإسرائيلي والإماراتي.

وتعتبر «لوموند» أن الموقع الجغرافي لليمن أصبح من أهم عناصر القيمة الاستراتيجية للحوثيين بالنسبة إلى طهران.

ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر مع تحول البحر إلى إحدى ساحات الصراع الأساسية في المنطقة.

فإلى جانب مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً أساسياً لصادرات الطاقة الخليجية، أصبح باب المندب نقطة ضغط ثانية في مواجهة إيران وحلفائها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج.

وبذلك، تنتقل المواجهة تدريجياً من نموذج كان يتمحور حول الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية والجبهة السورية إلى نموذج أوسع يشمل الممرات البحرية والطاقة والتجارة الدولية.

الحوثيون ليسوا مجرد ذراع إيرانية

لكن التحقيق يقدم نقطة مهمة تحول دون اختزال الشبكة الإيرانية في مفهوم «الوكلاء».

فالجهات المرتبطة بإيران لا تتمتع جميعها بالدرجة نفسها من التبعية لطهران، كما أن لكل منها حساباته المحلية.

ويقدم المقال الحوثيين مثالاً واضحاً على ذلك. فقد ظلوا في بداية الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير بعيدين نسبياً عن المواجهة المباشرة، واكتفوا بإعلان دعمهم لإيران.

لكن العلاقة تغيرت عندما تلاقت المصالح الإيرانية مع مطالب الحوثيين.

وتذكر «لوموند» أن إيران استأجرت في مطلع تموز طائرة مدنية لنقل حوثيين إلى صنعاء، بعدما كان مطار صنعاء قد تعرض للدمار، وذلك للسماح لبعضهم بالمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي. ثم أصبحت الرحلة نفسها نقطة تفجر جديدة مع السعودية، عندما حاولت الطائرة العودة إلى صنعاء في 13 تموز.

ومن هنا بدأت جولة التصعيد بين السعودية والحوثيين، في واحدة من أخطر موجات التوتر منذ الهدنة الهشة التي بدأت عام 2022.

وماذا بقي من حزب الله؟

لا يعني هذا أن لبنان خرج من الحسابات الإيرانية.

فبحسب «لوموند»، تمكن حزب الله، رغم تراجع قوته، من إعادة بناء جزء من قدراته بمساعدة إيرانية، مع إرسال الحرس الثوري مستشارين عسكريين إلى لبنان.

لكن موقع الحزب داخل الشبكة الإقليمية تغير بصورة واضحة.

فالضاحية الجنوبية لبيروت، التي كانت في مرحلة سابقة مركزاً رمزياً وسياسياً وعسكرياً لـ«محور المقاومة»، لم تعد تؤدي الدور نفسه بعد مقتل حسن نصرالله والضربات الإسرائيلية التي أضعفت الحزب.

كما غادر عدد من كبار مسؤولي حماس لبنان خوفاً من عمليات إسرائيلية.

والأهم أن مصدراً مطلعاً على الحزب يقول لـ«لوموند» إن طبيعة الحرب تغيرت بالنسبة إليه: لم تعد «حرب حركة» كتلك التي خاضها خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي أو في حرب 2006، بل أصبحت حرباً تكنولوجية.

وبحسب المصدر نفسه، لن يدخل حزب الله الحرب بصورة فعلية إلا إذا أقدمت إسرائيل على عملية عسكرية جديدة ضد إيران.

وهذا يعكس تحولاً مهماً في وظيفة لبنان داخل الحسابات الإيرانية: من جبهة المواجهة الرئيسية إلى جبهة احتياطية، تظل مهمة، لكن استخدامها أصبح أكثر كلفة وأكثر تعقيداً.

المفارقة: إضعاف المحور قد يؤدي إلى إعادة تشكيله

هنا تطرح «لوموند» الفكرة الأكثر إثارة في التحقيق.

فالضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران وحلفاءها قد تؤدي، بصورة غير مقصودة، إلى زيادة الترابط بين مكونات الشبكة.

وينقل التحقيق عن الباحث فاريه المسلمِي أن الحرب منذ 28 شباط شهدت تسارعاً في التكامل الأفقي بين القوى المختلفة داخل المحور.

لم تعد العلاقة تقتصر على تعاون متقطع، بل باتت تشمل التدريب المشترك، وتعزيز العلاقات البشرية والعملياتية، وزيادة التنسيق في القرارات السياسية والعسكرية.

وهذا يعني أن إيران قد تكون بصدد الانتقال من نموذج يعتمد على مركزية القرار الإيراني إلى نموذج أكثر انتشاراً وأقل مركزية.

من «محور إيراني» إلى شبكة عابرة للحدود؟

هذه النقطة هي الأكثر أهمية في قراءة المستقبل.

يطرح حميدرضا عزيزي احتمال أن يتحول «محور المقاومة»، الذي كان في الأصل مشروعاً جيوسياسياً منظماً من طهران، إلى شكل من التعبئة الشيعية العابرة للحدود.

في هذا النموذج، لا تكون كل حركة بحاجة إلى أمر مباشر من طهران.

بل يمكن أن تنشأ التحركات من شعور مشترك بالتهديد والاستهداف والحصار بين جماعات مختلفة في العراق ولبنان والبحرين وغيرها.

وبذلك يمكن أن تصبح الشبكة أقل مركزية، وربما أقل انضباطاً، لكنها في الوقت نفسه أكثر قدرة على البقاء؛ لأن ضرب مركز واحد لن يؤدي بالضرورة إلى إسقاط الشبكة كلها.

ماذا يعني ذلك للسعودية؟

السعودية هي إحدى الدول الأكثر تأثراً بهذا التحول.

ففي النموذج القديم، كان الخطر الإيراني يأتي بصورة أساسية من الخليج والعراق، ومن احتمال استخدام حزب الله أو الأراضي السورية في الضغط على إسرائيل أو دول المنطقة.

أما النموذج الجديد فيضيف إلى ذلك اليمن والبحر الأحمر وباب المندب.

وهذا يعني أن الرياض قد تواجه شبكة ضغط متعددة الاتجاهات: العراق من الشمال، الخليج من الشرق، واليمن والبحر الأحمر من الجنوب.

ولهذا تصبح العلاقة بين السعودية والعراق واليمن وإيران جزءاً من معادلة أمن إقليمي واحدة، وليس ملفات منفصلة.

إسرائيل أمام خريطة مختلفة

بالنسبة إلى إسرائيل، يمثل هذا التحول تحدياً مختلفاً أيضاً.

فقد نجحت إسرائيل في إضعاف البنية الإيرانية في سوريا وضرب حزب الله في لبنان، لكنها تجد نفسها أمام شبكة قد تصبح أكثر انتشاراً جغرافياً.

العراق واليمن أبعد من لبنان عن الحدود الإسرائيلية، لكنهما يمنحان إيران وحلفاءها أدوات ضغط مختلفة: الصواريخ والمسيّرات، استهداف المصالح الأميركية، والضغط على طرق التجارة والطاقة.

وهكذا، قد تتحول الجبهة الإقليمية من مجموعة جبهات مترابطة حول لبنان وسوريا إلى شبكة من نقاط الضغط الممتدة من العراق إلى البحر الأحمر والخليج.

لبنان في قلب التحول رغم تراجع دوره

المفارقة أن لبنان قد يكون أحد أكبر المتأثرين بهذه العملية رغم أن أهميته العملياتية داخل «المحور» تراجعت.

فإذا كان حزب الله لم يعد مركز الثقل الإقليمي، فإن أي إعادة توزيع للقدرات الإيرانية نحو العراق واليمن تعني أن لبنان قد يدخل مرحلة مختلفة من العلاقة مع طهران.

السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع إيران إعادة بناء حزب الله؟

بل أصبح أيضاً: ما الوظيفة التي تريد إيران أن يؤديها لبنان وحزب الله في شبكة إقليمية جديدة تتغير مراكز ثقلها؟

وهذا سؤال أكثر أهمية من حجم السلاح وحده.

الخلاصة

لا تقول «لوموند» إن إيران خسرت «محور المقاومة»، ولا إن حزب الله أصبح خارج الحسابات الإيرانية.

الرسالة الأساسية مختلفة: المحور يتغير شكلاً ووظيفةً ومركز ثقل.

سوريا فقدت موقعها السابق بعد سقوط الأسد، ولبنان تراجع نتيجة إضعاف حزب الله، فيما ارتفعت قيمة العراق باعتباره ساحة عملياتية، واليمن باعتباره منصة بحرية واستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، تبدو العلاقة بين طهران وحلفائها أكثر أفقية، بحيث يمكن أن تتحول من شبكة تديرها إيران بصورة مركزية إلى شبكة من القوى التي تتقاطع مصالحها مع إيران، لكنها تحتفظ بدرجات مختلفة من الاستقلال.

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: قد يكون إضعاف «محور المقاومة» بصيغته القديمة قد دفع إلى ولادة محور أقل مركزية، لكنه أكثر انتشاراً وأصعب على الخصوم تفكيكه بضربة واحدة.

المقال السابق
خريطة للخارجية الإسرائيلية تضم أجزاء من جنوب لبنان تثير اعتراضاً في بيروت وتدفع إلى تحرك في واشنطن
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

نتنياهو يرفض خطة ترامب لغزة: عقدة نزع سلاح حماس مقابل الانسحاب

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية