بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب مدمرة، لم تعد الحياة في غزة تشبه ما كانت عليه قبل ذلك اليوم. مدن مدمرة، عائلات مشتتة، ملايين النازحين، بنية تحتية منهارة، نقص في المياه والغذاء والدواء، واقتصاد يكاد يكون متوقفاً.
لكن المأساة لا تختصرها أرقام القتلى والجرحى والدمار. خلف الركام يعيش أناس يحاولون الاحتفاظ بما تبقى من حياة عادية، فيما يجدون أنفسهم في منطقة رمادية لا يمكن وصفها تماماً بالحرب ولا بالسلام.
هكذا تبدو الحياة اليومية في غزة بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، من خلال شهادات سكان فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، لكنهم يحاولون، رغم كل شيء، الاستمرار في الحياة.
ستة كراسٍ تختصر حكاية بيت
أحمد إشتيوي، البالغ 43 عاماً، سائق وميكانيكي من بيت لاهيا شمال قطاع غزة. يعيش اليوم في خيمة قرب دير البلح مع ابنتيه.
من منزله القديم لم يبقَ تقريباً شيء يمكن العودة إليه. البيت في منطقة مدمرة، والوصول إليه ليس أمراً سهلاً أو آمناً.
لكن إشتيوي يحتفظ بستة كراسٍ بلاستيكية قديمة.
قد تبدو الكراسي شيئاً بسيطاً لا قيمة له وسط حجم الدمار، لكنها بالنس بة إليه من أغلى ما يملك. عندما يجلس عليها يتذكر منزله وحديقته ووجبات الإفطار التي كان يتناولها مع عائلته، قبل أن تتحول الحياة إلى نزوح وخيام وانتظار.
في هذه الكراسي تختصر مأساة كاملة: حين يفقد الإنسان منزله، قد تتحول أبسط الأشياء التي نجت منه إلى ذاكرة وطن شخصي كامل.
جيل كامل يعيش على الذكريات
ليان الجبور، فتاة في الخامسة عشرة، واحدة من أبناء الجيل الذي أمضى سنوات من طفولته في الحرب والنزوح.
عندما ترتب خيمتها، تستعيد في ذاكرتها غرفتها القديمة ومدرستها وأصدقاءها. لم تتمكن من حمل الكثير معها عندما غادرت منزلها، وبقيت حقيبتها المدرسية واحدة من الأشياء القليلة التي تربطها بحياتها السابقة.
بالنسبة إلى هذا الجيل، لم تعد المدرسة مجرد مكان للتعلم، والمنزل مجرد مكان للسكن.
لقد أصبحت هذه الأشياء ذكريات.
وهذه إحدى أكثر النتائج قسوة للحرب: الأطفال لا يخسرون حاضرهم فقط، بل يفقدون أيضاً الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يشبه الماضي.
أزمة لا تنتهي عند الجوع
بعد ثلاث سنوات، لم تعد أزمة غزة مرتبطة فقط بالحصول على الغذاء.
هناك نقص في المياه النظيفة، تراجع الخ دمات الصحية، انتشار الأمراض، سوء التغذية، نقص الأدوية والوقود، واكتظاظ شديد في أماكن النزوح.
وتحوّل تدهور المياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب الاكتظاظ ونقص الخدمات الطبية، إلى بيئة تجعل الأمراض جزءاً من الحياة اليومية.
وهكذا أصبحت المعاناة الصحية نتيجة تراكمية للحرب: ليست إصابة واحدة أو مرضاً واحداً، وإنما بيئة كاملة يصعب فيها على الإنسان أن يعيش حياة صحية طبيعية.
وقف إطلاق النار لم يصنع سلاماً
المفارقة أن الحديث عن وقف إطلاق النار لم ينهِ الإحساس بالحرب.
فالوضع يمكن اختصاره بعبارة: لا حرب ولا سلام.
العمليات العسكرية لم تختفِ تماماً، ومناطق واسعة ما زالت غير آمنة، بينما يواجه السكان قيوداً على الحركة والمساعدات وإعادة بناء حياتهم.
وفي الوقت نفسه، لا توجد الظروف التي تسمح بعودة طبيعية إلى ما قبل الحرب.
فالسلام ليس مجرد توقف القصف.
السلام يعني أن يتمكن الإنسان من العودة إلى منزله، وأن يجد مدرسة لأطفاله، وماء نظيفاً، وعملاً، ومستشفى، وأمناً، وإمكانية للتخطيط للغد.
وهذه العناصر لا تزال غائبة أو شديدة الهشاشة في أجزاء واسعة من القطاع.
حين يصبح العمل نفسه جزءاً من النجاة
قبل الحرب، كانت إسراء أبو طيبة، البالغة 26 عاماً، تعمل في مجال التجميل.
الحرب قلبت حياتها رأساً على عقب. فقدت منزلها، وقُتل اثنان من إخوتها، وأصيب آخرون، فيما اضطرت إلى العيش في ظروف النزوح.
ومع ذلك، عادت إلى ممارسة عملها في الخيام.
تصفف شعر النساء وتضع لهن المكياج.
قد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً أمام حجم المأساة، لكنه يحمل معنى أكبر.
فحفلة زفاف صغيرة، أو قصة شعر، أو جلسة تجميل، تعيد للحظات شيئاً من الحياة الطبيعية التي اختفت.
إنها محاولة لاستعادة الإنسان العادي داخل واقع لم يعد عادياً.
فالعمل هنا ليس فقط وسيلة للحصول على المال؛ إنه أيضاً وسيلة نفسية للتشبث بالهوية والحياة القديمة.
اقتصاد دُمّر مع البيوت
الحرب لم تدمر المنازل فحسب، بل دمرت مصادر الرزق التي كانت تجعل تلك المنازل قابلة للحياة.
صالح كيلاني، البالغ 70 عاماً، كان يملك مزرعة وأشجار زيتون.
كان موسم الزيتون بالنسبة إليه جزءاً من حياته السنوية، ومصدر رزق وعادة اجتماعية في الوقت نفسه.
أما الآن، فلم يعد قادراً على ال عودة إلى منزله ومزرعته بأمان.
وهكذا لا يتعلق الدمار بخسارة الأبنية وحدها.
هناك خسارة للأرض، والعمل، والمهنة، والإنتاج، والشبكات الاجتماعية التي كانت تدور حولها.
وكلما طال أمد الأزمة، أصبحت إعادة بناء الاقتصاد أصعب من إعادة بناء بعض الجدران.
مجتمع يعيش بلا يقين
أحد أصعب أوجه الحياة في غزة اليوم هو غياب اليقين.
هل ستستمر الهدنة؟
هل يستطيع الناس العودة إلى مناطقهم؟
متى تبدأ إعادة الإعمار؟
من سيدير القطاع؟
هل ستعود المدارس والمستشفيات إلى العمل؟
هل سيستطيع الناس استعادة أعمالهم؟
وهل سيكون من الممكن أصلاً إعادة بناء الحياة التي كانت موجودة قبل 7 أكتوبر؟
هذه الأسئلة معلقة فوق حياة الناس اليومية.
ولذلك فإن «ما بعد الحرب» لم يبدأ فعلياً بالنسبة إلى كثير من سكان غزة.
إنهم يعيشون في انتظار ما بعد الحرب، بينما لم تنتهِ آثار الحرب بعد.
حتى الأشياء الصغيرة أصبحت مقاومة للنسيان
ربما تكون هذه هي الصورة الأكثر إنسانية التي تقدمها القصة.
في الظروف الطبيعية، يجلس الإنسان على كرسي في حديقته، يذهب إلى عمله، يشتري الخبز، يرسل أبناءه إلى المدرسة، أو يصفف شعره استعداداً لمناسبة.
لا أحد يعتبر هذه الأفعال أحداثاً استثنائية.
لكن عندما تنهار الحياة الطبيعية، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة ذات قيمة هائلة.
كرسي بلاستيكي.
حقيبة مدرسية.
مقص لتصفيف الشعر.
شجرة زيتون.
كل واحدة منها تصبح دليلاً على حياة كانت موجودة.
وهنا تكمن إحدى أعمق نتائج الحرب: أن الإنسان لا يخسر فقط ما يملك، بل يخسر أيضاً إحساسه بأن الأشياء العادية ستظل عادية.
ثلاثة أعوام غيّرت جيلاً
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، لا يمكن فهم حال أبناء غزة فقط من خلال عدد القتلى والجرحى.
هناك جيل كامل عاش النزوح والخوف والانقطاع عن التعليم وفقدان الأقارب والمنازل.
هناك أطفال يعرفون الخيمة أكثر مما يعرفون البيت.
وشباب دخلوا مرحلة الرشد وسط حرب وانهيار اقتصادي.
وعائلات تفرقت بين مناطق القطاع وخارجه.
وأشخاص فقدوا أعمالهم وأراضيهم ومصادر دخلهم.
وحتى أولئك الذين بقوا على قيد الحياة يحملون آثاراً نفسية واجتماعية لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار.
غزة بين الركام والانتظار
بعد ثلاث سنوات، تبدو غزة عالقة بين زمنين.
زمن انتهى عندما بدأت الحرب، وزمن جديد لم يولد بعد.
لم تعد غزة كما كانت قبل 7 أكتوبر، لكنها لم تدخل بعد مرحلة إعادة البناء التي يمكن أن تمنح سكانها أملاً ملموساً بالمستقبل.
ولهذا فإن العبارة الأكثر دقة لوصف حال كثير من أبنائها ربما تكون:
لا يعيشون حرباً كاملة، ولا يعيشون سلاماً حقيقياً. إنهم يعيشون في انتظار الحياة.
وفي هذا الانتظار، يحاول الناس استعادة ما يمكن استعادته: كرسي من البيت، حقيبة مدرسة، مهنة قديمة، شجرة زيتون، أو جلسة تجميل تعيد إلى امرأة للحظات إحساساً بأنها ما زالت تعيش حياة طبيعية.
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، هذه هي حكاية غزة التي لا تظهر دائماً في أرقام الحرب:
حكاية مجتمع لم يفقد فقط البيوت والأشخاص، بل يحاول الآن أن يعرف كيف يمكن أن يبدأ حياته من جديد.
