لم تعد الحرب على إيران موضع خلاف بين الجمهوريين وخصومهم فحسب، بل باتت تثير تباينًا علنيًا داخل الدائرة الأقرب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فنائبه جي دي فانس حمّلها مسؤولية الهزيمة في انتخابات منتصف الولاية، ونجله دونالد ترامب الابن أيّد تشخيصه، فيما لا يزال الرئيس يدرس استئناف العمليات العسكرية ضد طهران.
وكتب ترامب الابن، مشاركًا منشور فانس بشأن أسباب خسارة الجمهوريين وشروط استعادة ناخبيهم: «صحيح تمامًا». وكان نائب الرئيس قد أورد أربعة مطالب تصدّرت إجابات ناخبين انتقلوا من تأييد ترامب إلى التصويت للديمقراطيين: إنهاء الحرب على إيران، والتركيز على تكلفة المعيشة، وإعطاء الأولوية لأميركا، وتغيير العلاقة مع إسرائيل.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أثار منشور فانس مفاجأة لدى مسؤولين وموظفين في البيت الأبيض، رأى بعضهم فيه تمايزًا عن موقف الرئيس وإقرارًا علنيًا بالتداعيات الاقتصادية الداخلية للحرب. ومع أن بعض المسؤولين أُبلغوا بالمنشور قبل نشره، فإن مسؤولًا في البيت الأبيض قال إن معظم كبار الموظفين، إن لم يكن جميعهم، فوجئوا بمضمونه.
وقد يزيد هذا التباين تعقيد حسابات ترامب بشأن استئناف الحملة العسكرية على إيران، وهي خطوة أكد مسؤولون أميركيون لرويترز أنها لا تزال قيد الدراسة رغم الهزيمة الانتخابية، وربما بفعل زوال الضغوط المرتبطة بموعد الاقتراع.
وفي ظل غياب مسار واضح لإنهاء الحرب، تلقّى ترامب الأسبوع الماضي إحاطة من قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، بشأن خيارات استئناف العمليات القتالية، وفق مصدرين مطلعين.
لكن تقييمات استخباراتية أميركية أُعدّت خلال الأشهر الأخيرة تشير، بحسب مسؤول استخباراتي ومسؤولين أميركيين آخرين اطّلعوا عليها، إلى أن تجديد الضربات لن يغيّر جوهريًا موقف طهران التفاوضي، ولن يؤدي إلى إسقاط النظام.
ومع ذلك، حذّرت مصادر مطلعة على المناقشات من أن ترامب قد يقرر التحرك. وقال أحدها إنه كان يدرك المخاطر السياسية للحرب قبل الانتخابات، لكنه «لم يُعرها أي اهتمام»، مرجّحًا أن يتشدد تجاه إيران بعدما بات، في تقديره، «ليس لديه ما يخسره سياسيًا» عقب انتهاء انتخابات منتصف الولاية.
وذهب مصدر آخر إلى أن استئناف القتال هو السيناريو الأرجح، قائلًا: «إنه يخطط لقصف إيران. لا تصدقوا ما يقوله. لقد تريّث بسبب انتخابات منتصف الولاية. طلبنا منه الانتظار إلى ما بعد الانتخابات».
وتفتح مواقف فانس أيضًا باب التساؤلات بشأن مستقبل كبار المسؤولين في البنتاغون، وف ي مقدّمهم وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي وصفه ترامب بأنه من المؤيدين الأوائل للحرب، والذي يواجه انتقادات حادة في الكونغرس.
وكان فانس قد كتب في منشوره على منصة «إكس»: «السبب في خسارتنا هو الحرب. إذا كنتم تريدون المجادلة بأن الأمر كان يستحق كل هذا العناء، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت تستحق ذلك، فافعلوا ما شئتم». كما وصف توصية سابقة بإنهاء الحرب بأنها «نصيحة حكيمة».
وفانس، الذي يُعد من أبرز المرشحين المحتملين للرئاسة عام 2028، قال إنه تحدث قبل الانتخابات مع خبير استطلاعات وصفه بأنه «أحد أذكى الأشخاص الذين أعرفهم في السياسة»، وكان يتوقع خسارة الجمهوريين.
وأضاف: «كنت أشعر بالسوء قبل الثلاثاء، لكن حتى أنا فوجئت بهذه النتيجة». وأوضح أن الاستطلاعات أظهرت غضب عدد كبير من الناخبين الذين صوّتوا لترامب عام 2024، وكانوا يعتزمون التصويت للديمقراطيين.
وبحسب روايته، سأل القائمون على الاستطلاعات هؤلاء الناخبين عما قد يدفعهم إلى العودة إلى الجمهوريين، فتصدّرت الإجابات مطالب إنهاء الحرب، وخفض تكلفة المعيشة، وإعطاء الأولوية لأميركا، وتغيير العلاقة مع إسرائيل.
أما ترامب، فأقر بصحة جانب كبير من تشخيص نائبه، لكنه رفض اعتبار الحرب قرارًا خاطئًا. وقا ل: «أعتقد أن ما قاله فانس صحيح إلى حد كبير، لأن الحرب تسببت في ارتفاع أسعار البنزين على المدى القصير. ولكن، في الوقت نفسه، لو اضطررت إلى اتخاذ القرار مجددًا، لفعلت الشيء نفسه، لأنه على المدى الطويل، هذا هو الحل الوحيد. يجب ألا يُسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية».
وعندما سُئل عمّا إذا كانت الحرب تستحق كلفتها، أجاب: «نعم، لم يكن هناك خيار آخر. كنت أعتقد أن أسعار النفط سترتفع أكثر بكثير، واتخذت القرار وأنا أعلم أن ذلك قد يحدث. لا خيار آخر. يجب القيام بذلك. لا يمكن لإيران أن تمتلك أسلحة نووية، وإلا فإن كل ما ترونه هنا قد يختفي يومًا ما».
وفيما خرج فانس وترامب الابن بموقفين واضحين، التزم وزير الخارجية ماركو روبيو الصمت منذ الانتخابات، رغم موقعه البارز في السياسة الأميركية تجاه إيران واحتمال منافسته فانس على الترشح للرئاسة.
هكذا، أقرّ ترامب بأن الحرب أسهمت في هزيمة حزبه، من دون أن يتراجع عن تبريرها أو يستبعد تجديدها. وبين دعوة نائبه ونجله إلى الاستجابة لاعتراض الناخبين، وترجيحات مصادر مطلعة بأنه قد يعود إلى القصف، يبقى القرار معلقًا: هل تدفعه الهزيمة إلى إنهاء الحرب، أم إلى محاولة تغيير نتائجها بجولة جديدة؟
