في وقت تتواصل فيه المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت وكالة “رويترز”، نقلًا عن ثلاثة مصادر مطلعة، عن اقتراب طهران من تسلّم أولى شحنات صفقة لشراء مئات منظومات الدفاع الجوي المحمولة من الصين، في خطوة قد تعيد رسم معادلات الدفاع الجوي الإيراني بعد الضربات التي استهدفت منشآته العسكرية خلال الأشهر الماضية.
وبحسب التقرير، تتراوح قيمة الصفقة بين 60 و70 مليون دولار، وتشمل توريد ما بين 300 و400 منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف من طرازي “كيو.دبليو-12” (QW-12) و“إف.إن-16” (FN-16)، وهما من الصواريخ أرض-جو الموجهة بالأشعة تحت الحمراء، والمخصصة لاعتراض الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.
تعزيز الدفاعات بعد أشهر من الضربات
تأتي هذه المعلومات في أعقاب أشهر من التصعيد العسكري، شهدت خلالها إيران ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت منشآت مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، فيما ردت طهران بإطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات باتجاه أهداف عسكرية.
ويرى محللون عسكريون أن المنظومات الصينية، رغم أنها لا تمثل أحدث ما أنتجته بكين، يمكن أن توفر حماية فعالة للمواقع الحساسة، خصوصًا منشآت الطاقة والقواعد العسكرية، بفضل سهولة نقلها وإعادة نشرها، وهو ما يجعل استهدافها أكثر صعوبة مقارنة بمنظومات الدفاع الجوي الثابتة.
ويشير خبراء إلى أن منظومة QW-12 أقل تطورًا من الطرازين الأحدث QW-18 وQW-19، إلا أنها لا تزال قادرة على توفير دفاع قصير المدى ضد الطائرات والمسيّرات، وهو النوع من التهديدات الذي برز خلال المواجهات الأخيرة.
كيف ستصل الشحنات؟
وفقًا للمصادر التي تحدثت إلى “رويترز”، تولّت شركة تشونغتشينغ باوشانغ إنترناشونال إنفستمنت، ومقرها هونغ كونغ، دور الوسيط في الصفقة بين الجانبين الإيراني والصيني.
وتنص الترتيبات الأولية على نقل الشحنات جوًا من مدينة أورومتشي في غرب الصين، مرورًا بالأجواء أو الأراضي الباكستانية، قبل وصولها إلى إيران، مع بقاء المرحلة الأخيرة من عملية النقل، سواء كانت جوية أو برية، غير محسومة حتى الآن.
وأشارت المصادر إلى أن تفاصيل التنفيذ، بما في ذلك توقيت التسليم والكميات النهائية، لا تزال قابلة للتعديل رغم توقيع العقد.
صفقات أخرى قيد التفاوض
ولم تتوقف المباحثات، بحسب التقرير، عند هذه الصفقة. فقد كشف مصدر أمني أوروبي أن بلاده تتابع عقودًا إضافية قيد التفاوض تشمل منظومات QW-12 وQW-18 وQW-19، بينما أكد مصدر أمني في الشرق الأوسط أن إيران كانت تبحث بالفعل شراء طرازي QW-12 وQW-18، من دون أن يجزم بدخول هذه الصفقات حيز التنفيذ.
كما نقلت “رويترز” عن مصدرين استخباراتيين غربيين ومسؤول إيراني أن طهران تدرس أيضًا استخدام مسارات برية لنقل معدات عسكرية صينية ومكونات مزدوجة الاستخدام، في محاولة لتقليل فرص رصدها.
بكين تنفي… وإسلام آباد ترفض الاتهامات
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الصينية صحة التقرير، مؤكدة أن “التقارير ذات الصلة لا أساس لها من الصحة على الإطلاق”، وشددت على أن الصين “تلعب دورًا ثابتًا في تعزيز السلام وإنهاء الصراعات”.
أما في باكستان، فنفى الجيش الباكستاني أي دور محتمل في عمليات النقل، واصفًا ما تردد بأنه “تكهنات ملفقة وكاذبة تمامًا”، في حين لم تصدر وزارتا الخارجية في كل من إيران وباكستان أي تعليق رسمي.
اختبار للتفاهمات مع واشنطن
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في ضوء التصريحات السابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إنه تلقى تأكيدات من الرئيس الصيني شي جين بينغ بعدم بيع أو تزويد إيران بأي أسلحة، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات صينية.
كما أعلن ترامب أنه تلقى تطمينات مماثلة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، محذرًا من أن أي خرق لهذه التعهدات “لن يكون في مصلحة أحد”، بعدما كان قد لوّح في أبريل/نيسان الماضي بـ”مشكلات كبيرة” للصين إذا زودت إيران بالسلاح.
لكن تصريحات مسؤولين أمريكيين رسمت صورة مختلفة. فقد أبلغ وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أعضاء مجلس الشيوخ بأن روسيا والصين تواصلان تقديم أشكال من الدعم لإيران، من دون الكشف عن طبيعة هذا الدعم، في وقت فرضت فيه واشنطن سابقًا عقوبات على شركات وأفراد من البلدين بتهمة المساهمة في برامج التسليح الإيرانية.
من جانبه، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أقر في مارس/آذار الماضي بأن بلاده تتلقى دعمًا من موسكو وبكين، واصفًا إياه بأنه “سياسي وفي جوانب أخرى”، من دون الخوض في تفاصيله.
هل تتغير موازين الدفاع الجوي؟
إذا تأكد تنفيذ الصفقة وتسلمت إيران مئات المنظومات المحمولة كما هو مخطط، فإن ذلك سيمثل أكبر تعزيز لقدراتها في مجال الدفاع الجوي قصير المدى منذ سنوات، وقد يمنحها مرونة أكبر في حماية منشآتها العسكرية والحيوية من الهجمات الجوية والطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، يبقى التقرير في دائرة المعلومات التي تستند إلى مصادر مطلعة، في ظل نفي رسمي صيني، وعدم صدور تأكيد من طهران، ما يجعل تطورات تنفيذ الصفقة خلال الأسابيع المقبلة موضع متابعة من العواصم المعنية، باعتبارها مؤشرًا على مستقبل التعاون العسكري بين الصين وإيران، وانعكاساته على ميزان القوى في المنطقة.
