لا يكاد يمرّ يوم من دون أن نسمع عن ملف جديد للهدر في إحدى مؤسسات الدولة. أما في قطاع الاتصالات، فتبدو المشكلة أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار مزاريب الهدر المالي وضعف الرقابة والمحاسبة.
وهذا فصل آخر من فصول الهدر في قطاع الاتصالات، وفق معطيات ومصادر مطّلعة على واقع القطاع.
يُقدَّر عدد المشتركين الشرعيين في خدمة الإنترنت في لبنان بنحو 350 ألف مشترك، سواء عبر الشركات الخاصة أو عبر هيئة «أوجيرو»، وهم المشتركون الذين تستوفي الدولة الرسوم والبدلات المترتبة على خدماتهم.
في المقابل، تشير مصادر في القطاع إلى وجود أكثر من مليون مشترك لا يتم التصريح عنهم للوزارة من جانب بعض الشركات الخاصة. وبحسب هذه المعطيات، يحصل هؤلاء على خدمة الإنترنت بصورة غير مصرح عنها، فيما تستوفي الشركات الخاصة الإيرادات الناتجة عن هؤلاء المشتركين، وتحصل عمليًا على كامل العائدات منهم، في حين لا تدخل أي حصة مستحقة للدولة إلى الخزينة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الشركات تعتمد في تقديم خدماتها على بنى تحتية وشبكات مرتبطة بهيئة «أوجيرو»، أي أن الدولة تتحمل جزءًا أساسيًا من كلفة البنية التحتية، في وقت تستفيد فيه هذه الشركات، بحسب المعطيات، من مباني ومنشآت «أوجيرو»، ومن الكهرباء والمحروقات، إضافة إلى أعمال الصيانة والتشغيل التي ينفذها موظفو وعمال «أوجيرو». أي أن الدولة لا تتحمل فقط كلفة البنية التحتية، بل تتحمل أيضًا جزءًا من كلفة تشغيلها وصيانتها وتأمين مستلزماتها، بينما تستفيد الشركات الخاصة من هذه الإمكانات في تقديم خدماتها وتحقيق إيراداتها.
وبذلك، تذهب الإيرادات الناتجة عن أكثر من مليون مشترك، والمقدرة بملايين الدولارات شهريًا، إلى الشركات الخاصة بدل أن تستوفي الدولة حقوقها القانونية والمالية.
وهنا تبرز المسؤولية الإدارية بشكل واضح، إذا كان الوزير والمديرون المعنيون على علم بهذا الواقع، فالمصيبة كبيرة، لأن استمرار الوضع رغم العلم به يطرح سؤالًا مباشرًا عن سبب عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة. أما إذا كانوا لا يعلمون، فالمصيبة أكبر، لأن ذلك يعني وجود خلل خطير في الرقابة والمتابعة داخل قطاع يفترض أن تكون بياناته وإيراداته خاضعة لنظام واضح ودقيق.
وهذه، إن ثبتت، ليست سوى واحدة من مزاريب الهدر في قطاع الاتصالات.
فبدل البحث عن مصادر إضافية لزيادة الأعباء والضرائب على المواطنين الذين يعانون أصلًا من ضغوط اقتصادية كبيرة، أليس الأجدى أن تبدأ الدولة بسدّ مزاريب الهدر، وتفعيل الرقابة، وإلزام جميع الشركات بالتصريح عن مشتركيها وتسديد المستحقات المتوجبة عليها؟
السؤال اليوم ليس فقط: كم تخسر الدولة؟
بل، كم تجني الشركات الخاصة من هؤلاء المشتركين؟ وكم تخسر الخزينة نتيجة عدم التصريح عنهم؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار هذا الواقع؟
وإذا كانت الأرقام المتداولة صحيحة، فهل تتحرك الجهات الرقابية والقضائية المعنية للتحقق منها، وتحديد حجم الخسائر، واستعادة حقوق الخزينة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مخالفته؟
