من اغتصاب قاصرات إلى تقييد حركة النساء ليلاً.. احتجاجات نيودلهي تفتح النقاش حول مسؤولية السلطات والمجتمع عن توفير الأمان للنساء
لم تعد احتجاجات الطالبات في نيودلهي تقتصر على المطالبة بملاحقة مرتكبي جرائم الاغتصاب، بل تحوّلت إلى مواجهة أوسع مع واقع يفرض على النساء تقييد حركتهن خوفاً من الاعتداء، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكون حماية النساء بمنعهن من الخروج، أم بضمان حقهن في استخدام الشوارع والحدائق ووسائل النقل بأمان؟
هذا السؤال يتصدر تحركات نسائية متصاعدة في العاصمة الهندية، على خلفية سلسلة من الاعتداءات الجنسية وجرائم القتل التي طالت شابات وقاصرات، وسط اتهامات للسلطات بالتقصير في التعامل مع هذه الجرائم. وفي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 12 أكتوبر، يرصد الصحافي أنيرودها فرنانديز كيف تحوّلت هذه الاحتجاجات إلى مطالبة بتغيير النظرة إلى أمن النساء ومكانتهن في المجال العام.
جريمة أشعلت الجامعات
اكتسبت التحركات زخماً إضافياً بعد تعرض طالبة تبلغ 17 عاماً لاغتصاب جماعي في حديقة بنيودلهي يوم 21 سبتمبر، خلا ل احتفالها بعيد ميلادها مع أحد أصدقائها. وجاءت الحادثة فيما كانت العاصمة الهندية لا تزال تحت وقع الكشف عن ثلاث حالات أخرى من الاغتصاب والقتل طالت قاصرات في الأيام السابقة، من بينهن طفلة لم تتجاوز السادسة من العمر.
وأثارت هذه الوقائع موجة غضب في الأوساط الجامعية، خصوصاً بعدما تمثلت بعض الإجراءات التي اتخذتها السلطات في إغلاق الحدائق ليلاً وزيادة الدوريات للتأكد من عمل كاميرات المراقبة والإنارة العامة.
أما كلية «ليدي شري رام» المخصصة للنساء، والقريبة من مكان الاعتداء، فحوّلت دروسها إلى التعليم عن بُعد بذريعة حماية الطالبات. لكنها تراجعت عن القرار بعد 24 ساعة، إثر اعتراضات رأت فيه عقوبة إضافية تقع على الضحايا المحتملات بدلاً من معالجة أسباب الخطر.
«لا نريد أن تحبسونا»
في قلب الاحتجاجات، تبرز مبادرة «النساء يمشين عند منتصف الليل»، التي تشجع النساء على استعادة الشوارع والأماكن العامة في الساعات التي يتجنبن فيها الخروج عادةً خوفاً من الاعتداء.
وتقول أنانيا، وهي ناشطة تبلغ 25 عاماً، إن السير ليلاً يهدف إلى الاعتراض على الطريقة التي تفهم بها السلطات مفهوم الأمن. فالمطلوب، وفقاً للمشاركات، ليس المزيد من الكاميرات أو الرقابة التي تحدّ من حرية النساء، بل مدن يستطيع الجميع استخدامها من دون خوف.
وتختصر هذه المطالبة جوهر الاحتجاج: لا ينبغي أن تتحول سلامة المرأة إلى مسؤولية تُلقى على عاتقها وحدها، عبر مطالبتها بالبقاء في المنزل أو تجنب الشوارع بعد حلول الظلام. كما لا يكفي إغلاق الحدائق أو فرض قيود على الحركة إذا بقيت أسباب الاعتداءات قائمة.
وتروي طالبات تحدثن إلى «لوموند» أنهن اعتدن إرسال مواقعهن الجغرافية مباشرة إلى أفراد عائلاتهن أو صديقاتهن كلما استقللن سيارة أجرة أو حافلة أو مترو بمفردهن. وتقول إحداهن إنها باتت تشعر بأنها محظوظة كلما وصلت إلى منزلها من دون أن تتعرض للاغتصاب في الطريق.
ولا يقتصر الخوف، بحسب شهادات الطالبات، على الاعتداءات الجسدية؛ إذ تتحدث إحداهن عن رجال يتجمعون قرب مدخل جامعتها لمراقبة الطالبات، فيما يقدم بعضهم على سلوكيات جنسية فاضحة في الأماكن العامة.
أرقام تكشف حجم المشكلة
تعيد الاحتجاجات إلى الذاكرة قضية «نيربايا»، وهي طالبة هندية تبلغ 23 عاماً تعرضت لاغتصاب جماعي وتعذيب داخل حافلة في نيودلهي في ديسمبر 2012، قبل أن تموت بعد أسبوعين. وقد فجّرت القضية آنذاك احتجاجات واسعة دفعت إلى تشديد التشريعات المتعلقة بالعنف الجنسي.
لكن مرور نحو 14 عاماً لم ينهِ المخاوف. ووفق الأرقام التي أوردها تقرير «لوموند» نقلاً عن المكتب الوطني لسجلات الجرائم في الهند، سُجّلت 29,536 قضية اغتصاب خلال عام 2024، أي أكثر من 80 قضية يومياً، فيما يزيد عدد القضايا التي تنتظر صدور أحكام قضائية على 200 ألف.
وتشير الصحيفة إلى أن الأرقام المسجلة لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للمشكلة، لأن عدداً من الاعتداءات لا يُبلّغ عنه أصلاً. كما أن المحكمة العليا الهندية تدخلت في 28 سبتمبر للنظر في القضية، متحدثة عن إخفاقات منهجية في ضمان أمن النساء داخل المجال العام.
العنف والطبقات الاجتماعية
لا تتوزع مخاطر العنف الجنسي بصورة متساوية بين النساء في الهند. ففي المناطق الريفية، ترتبط بعض الاعتداءات بالتسلسل الطبقي والاجتماعي، وتقول ناشطات إن نساء من جماعات «الداليت» المهمشة يتعرضن لاعتداءات لا يُبلّغ عنها في حالات كثيرة، ولا سيما عندما يكون المشتبه فيهم من طبقات أعلى ويتمتعون بحماية أو نفوذ محلي.
وتتسع الانتقادات أيضاً لتشمل المناخ السياسي والاجتماعي. فالمحتجات يوجهن اتهامات إلى ثقافة أبوية ترى أن دور المرأة الأساسي هو رعاية الأسرة والاضطلاع بالمسؤوليات المنزلية، وأن حركتها خارج هذا الإطار يجب أن تبقى خاضعة للرقابة والحماية المفروضة عليها.
ويشير التقرير إلى أن مسؤولين في حزب «بهاراتيا جاناتا» القومي الهندوسي الحاكم سبق أن أبدوا دعماً لرجال اتُّهموا بارتكاب جرائم اغتصاب أو أُدينوا بها، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى الاحتفال بخروجهم من السجن. كما أورد التقرير دراسة أجرتها جمعية الإصلاحات الديمقراطية عام 2024، تفيد بأن نحو 150 نائباً ومسؤولاً منتخباً على المستوى الإقليمي يواجهون ملاحقات أو صدرت بحقهم أحكام في قضايا اعتداءات جنسية، وأن ثلثهم ينتمي إلى الحزب.
من حماية النساء إلى ضمان حريتهن
تضع احتجاجات نيودلهي السلطات الهندية أمام معادلة تتجاوز زيادة الدوريات أو تركيب مزيد من الكاميرات. فالأمن لا يُقاس فقط بعدد إجراءات المراقبة، بل بقدرة النساء على الدراسة والعمل والتنقل واستخدام الأماكن العامة من دون أن يتحول الخوف إلى عنصر دائم في حياتهن.
كما أن مواجهة العنف الجنسي لا تنتهي عند توقيف المشتبه فيهم، على أهمية ذلك، بل تتطلب تحقيقات جدية ومحاكمات فاعلة ومساءلة من يثبت تورطه، إلى جانب معالجة التصورات الاجتماعية التي تقلل من خطورة الاعتداء أو تلقي مسؤولية تجنبه على الضحية.
ومن هنا، فإن رسالة الطالبات لا تقتصر على الاحتجاج على جرائم محددة، بل تطالب بإعادة تعريف مفهوم الحماية نفسه: ليس المطلوب أن تتراجع النساء عن حقهن في الشارع، بل أن تتراجع قدرة المعتدين على تحويله إلى مساحة للخوف والإكراه.
