
في زيارة مفاجئة حملت دلالات سياسية وأمنية لافتة، وصل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى مدينة النبطية برفقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في مشهد أراد من خلاله التأكيد أن الدولة بدأت ترجمة حضورها ميدانياً في واحدة من أبرز مدن الجنوب.
واللافت في الزيارة كان لقاء عون بعدد من أبناء النبطية، الذين تحدثوا إليه مباشرة وطالبوا بحماية الدولة وتعزيز حضورها الأمني والعسكري. وبدت اللقاءات بعيدة عن أي مشهد حزبي أو تنظيمي، فيما لم تظهر في اللقطات المتداولة مظاهر مناصرة لحزب الله، لتبرز في المقابل صورة رئيس الجمهورية وإلى جانبه قائد الجيش في مواجهة مطلب شعبي واضح: الدولة للحماية.
وتأتي زيارة عون بعد أيام قليلة من «نداء النبطية الثاني»، الذي طالب فيه مئات من أبناء المدينة بإرسال الجيش فوراً إلى النبطية ومحيطها وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي والخشية من اتساع الاستهدافات.

وكان عون قد ترأس في 9 أيلول اجتماعاً أمنياً مخصصاً للجنوب والنبطية، وشدد خلاله على أن أي فراغ أمني في الجنوب يشكل ذريعة للاعتداءات ومساساً بالسيادة الوطنية، مؤكداً أن الانتشار الأمني في النبطية يرتبط بالتزامات الدولة وموقعها التفاوضي، وأن الجيش هو «العمود الفقري للاستقرار» في المنطقة. كما شدد على أن أمن النبطية والمناطق غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي جزء لا يتجزأ من أمن لبنان الواحد.
وجاءت الزيارة بعد يوم واحد من إعلان عون أمام مجلس الوزراء أن «آن الأوان لكي تعود الدولة إلى الجنوب»، مؤكداً أن الرئاسة أصغت إلى نداءات أهالي النبطية وصور وعربصاليم، وأن الدولة «إلى جانبهم» ولا يمكنها أن تكون بعيدة عنهم.
وتكتسب زيارة عون وهيكل إلى النبطية أهمية إضافية في ضوء الاعتداءات التي طاولت المدينة ومؤسساتها الرسمية والصحية، بعدما دان رئيس الجمهورية في 6 أيلول استهداف مبنى وزارة المالية وتدمير مستشفى غندور، معتبراً أن الاعتداءات تجاوزت الخروقات العسكرية لتطال مؤسسات الدولة والمرافق التي تخدم المواطنين.
ولا تبدو مصادفةً مشاركة قائد الجيش في الزيارة. فوجود عون وهيكل معاً في قلب النبطية يقدّم صورة مباشرة عن المعادلة التي تعمل الرئاسة على تثبيتها: الدولة ليست جهة سياسية بعيدة عن الجنوب، بل سلطة حاضرة على الأرض، والجيش هو أداتها الأساسية في حفظ الأمن وحماية المواطنين وتأمين عودتهم إلى مناطقهم.
وتحمل مواقف الأهالي التي التقاهم عون دلالة سياسية تتجاوز مضمونها الأمني المباشر. فالمطالبة بالحماية من الدولة والجيش تعني أن وظيفة الحماية، التي شكّلت تاريخياً أحد أبرز مرتكزات شرعية حزب الله داخل بيئته الجنوبية، باتت موضع مطالبة بأن تتولاها المؤسسات الشرعية نفسها. ولا يعني ذلك، بالضرورة، تحولاً سياسياً شاملاً داخل البيئة الشيعية أو تراجعاً حاسماً في حضور الحزب، لكنه يعكس بوضوح اتساع مساحة المطالبة بحضور الدولة واحتكارها مسؤولية الأمن والحماية.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن تعزيز الانتشار الأمني والعسكري في النبطية يأتي في سياق متكامل، إذ شدد عون على ضرورة تنسيق عمل الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والدفاع المدني، فيما أعلنت وزارة الداخلية أن الدولة ستعزز حضور مؤسساتها وأجهزتها في المدينة، وفي مقدمها قوى الأمن الداخلي، بعد إنجاز ترميم السرايا الحكومية.
وبذلك، تبدو زيارة النبطية أكثر من جولة تفقدية لرئيس الجمهورية. إنها محاولة لتحويل مطلب الأهالي إلى واقع سياسي وميداني: أن تكون الدولة هي الجهة التي تحضر وتحمي وتعيد الإعمار، وأن يكون الجيش عنوان هذا الحضور.
وفي مدينة لطالما ارتبط اسمها بثقل حزب الله في الجنوب، جاءت صورة عون وهيكل وسط الأهالي لتطرح سؤالاً جديداً في المشهد الجنوبي: هل بدأت الدولة تستعيد، تدريجياً، وظيفة الحماية التي احتكرها الحزب طويلاً؟