قد لا يكون الصداع المتكرر، أو آلام الرقبة، أو اضطرابات المعدة مجرد أعراض جسدية عابرة، بل رسائل يبعث بها الجسم عندما يعجز الإنسان عن التعبير عن ضغوطه النفسية ومشاعره. هذه الحالة، التي تُعرف بـ”الجسدنة”، يصفها الأطباء بأنها ترجمة للمعاناة النفسية إلى أعراض جسدية حقيقية، قد تكون مؤلمة ومزعجة تمامًا كأي مرض عضوي.
ويؤكد الطبيب النفسي والمعالج النفسي والباحث في علم النفس، الدكتور جيروم بالاتسولو، أن الدماغ والجسم يرتبطان بعلاقة وثيقة، موضحًا أن المشاعر التي لا تجد طريقها إلى التعبير قد تبحث عن منفذ آخر عبر الجسد.
ويقول: “عندما لا يستطيع الإنسان التعرف إلى مشاعره أو التعبير عنها أو التعامل معها، يتولى الجسد المهمة، فيبدأ بالتعبير عنها من خلال الألم أو الإرهاق أو اضطرابات مختلفة.”
عندما يصبح التوتر مرضًا
يوضح الطبيب أن المشاعر تترك أثرًا مباشرًا على الجسم؛ فالخوف يسرّع نبضات القلب، والغضب يشد العضلات، والحزن يسبب شعورًا بالثقل والإرهاق.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوتر إلى حالة مزم نة. فمع استمرار الضغوط، تبقى العضلات في حالة انقباض دائم، ويتراجع مستوى النوم، وتختل وظائف الجهاز الهضمي، ويضعف الجهاز المناعي، كما يصبح الجسم أكثر حساسية للألم.
ويشير إلى أن استمرار هذا الوضع لفترات طويلة قد يؤدي إلى ظهور أعراض جسدية متكررة، حتى في غياب أي مرض عضوي واضح.
من هم الأكثر عرضة للجسدنة؟
لا تصيب الجسدنة الجميع بالطريقة نفسها، إذ يرى الدكتور بالاتسولو أن بعض السمات الشخصية تجعل أصحابها أكثر عرضة لتحويل الضغوط النفسية إلى أعراض جسدية.
ومن أبرز هذه الشخصيات:
الأشخاص الذين يعانون من القلق المستمر.
أصحاب الشخصية المثالية الذين يسعون دائمًا إلى الكمال.
الأشخاص الذين يضعون احتياجات الآخرين قبل احتياجاتهم.
من يجدون صعوبة في طلب المساعدة ويتحملون الأعباء بمفردهم.
الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في التعرف إلى مشاعرهم أو التعبير عنها.
ويجمع هؤلاء أنهم يبذلون جهدًا كبيرًا للحفاظ على توازنهم الظاهري، بينما يهملون احتياجاتهم النفسية والعاطفية.
إشارات لا ينبغي تجاهلها
ويحذر الطبيب من تجاهل الإشارات الأولى التي يرسلها الجسم، مؤكدًا أن التدخل المبكر قد يمنع تفاقم المشكلة.
ومن أبرز الأعراض التي تستوجب الانتباه:
إرهاق مستمر رغم النوم الكافي.
آلام متكررة في العضلات أو الرقبة.
اضطرابات في الجهاز الهضمي.
صداع متكرر.
سرعة الانفعال.
ضعف التركيز.
اضطرابات النوم.
فقدان الرغبة أو المتعة في الأنشطة اليومية.
ويشدد على أن أفضل وقت للتدخل هو عندما تكون هذه الأعراض في بدايتها، مضيفًا: “استجيبوا للجسد عندما يهمس، ولا تنتظروا حتى يصرخ.”
الجسد لا يكذب
ويختم الدكتور بالاتسولو بالتأكيد على أن الجسد والعقل يعملان كوحدة واحدة، وأن تجاهل الإرهاق أو كبت المشاعر أو العيش تحت ضغط دائم قد يدفع الجسم في النهاية إلى فرض التوقف.
لذلك، فإن التعامل مع الأعراض الجسدية المستمرة لا يقتصر على البحث عن سبب عضوي فقط، بل يتطلب أيضًا مراجعة مستوى التوتر، ونمط الحياة، والحالة النفسية. فالإنصات إلى رسائل الجسد في وقت مبكر قد يكون الخطوة الأولى نحو الوقاية، واستعادة التوازن النفسي والجسدي قبل أن يتحول الهمس إلى صرخة.
