في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتجه الأنظار إلى العراق، حيث تتقاطع محاولات ترسيخ سلطة الدولة مع تصعيد أمني يحمل بصمات الصراع على النفوذ. وما يجري في بغداد لا يقتصر أثره على الداخل العراقي، بل يثير مخاوف متزايدة في لبنان من أن يتكرر المشهد نفسه، فتُجهض محاولات استعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري تحت ضغط السلاح الخارج عن مؤسساتها.
فقد جاء استهداف منشآت نفطية في المملكة العربية السعودية، في هجمات نُسبت إلى فصائل عراقية موالية لإيران، في توقيت بالغ الدلالة، تزامناً مع تحرك رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بين واشنطن وطهران، وقبيل زيارته المرتقبة إلى الرياض. ويقرأ مراقبون هذا التصعيد باعتباره رسالة تتجاوز بعدها الع سكري، لتستهدف المسار الذي تعمل عليه الحكومة العراقية الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز احتكارها للقرار الأمني.
وتبذل بغداد منذ أشهر جهوداً لإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة، ضمن مشروع يهدف إلى تكريس سلطة الدولة على القرارين الأمني والعسكري. إلا أن الهجمات الأخيرة تعيد، وفق مراقبين، استخدام السلاح كأداة لفرض التوازنات الإقليمية وإظهار حدود قدرة الدولة على فرض سيادتها.
في لبنان، لا تبدو الصورة بعيدة عن هذا المشهد. فالتصعيد السياسي والإعلامي بين إيران و”حزب الله” من جهة، والدولة اللبنانية من جهة أخرى، يعزز المخاوف من أن تتحول البلاد إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية. ويواصل الحزب هجومه على السلطة اللبنانية، متهماً إياها بـ”الفجور” والتفريط، في وقت تبادل فيه رسائل الدعم والولاء مع مجتبى خامنئي، الذي أكد الوقوف إلى جانب لبنان و”حزب الله” في مواجهة الضغوط.
ويتزامن ذلك مع تصاعد التحذيرات الإسرائيلية من وجود مخطط إيراني، بالتعاون مع “حزب الله”، لاستهداف مدينة حيفا ومنشآتها الحيوية، ما يرفع مستوى التوتر على الجبهة اللبنانية ويزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وفي ضوء هذه التطورات، تتزايد المخاوف من أن تتحول التجربة العراقية إلى نموذج يتكرر في لبنان، بحيث يؤدي نجاح الفصائل المسلحة في فرض معادلاتها بالقوة إلى تقويض أي مسار يهدف إلى تثبيت مبدأ احتكار الدولة للسلاح. وهو سيناريو من شأنه أن يعيد إنتاج نموذج الدولة المزدوجة، ويضعف مؤسساتها في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية وصراعات مفتوحة على أكثر من جبهة.