هل ولّى الزمن الذي كانت فيه السياسة حكرًا على المنابر التقليدية أو المؤتمرات الصحافية الطويلة، ليحلّ مكانه عصر النكتة التي تختصر موقفًا سياسيًا كاملًا، تصل إلى الجمهور أسرع من أي خطاب رسمي؟
الكوميديا السياسية ليست ظاهرة جديدة، لكنها اليوم خرجت من إطار البرامج الساخرة لتدخل مباشرة إلى قلب القرار السياسي نفسه. فقد استغلّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب عيد الحب ليحوّله إلى مساحة تهكّم سياسي، عبر بطاقات ساخرة نشرها البيت الأبيض واستهدفت خصومه في الداخل والخارج.
من بين هذه البطاقات، ظهرت واحدة تحمل عبارة “لقد أسرت قلبي” مرفقة بصورة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مكبّلًا. وبطاقة أخرى سخرت من الديمقراطيين عبر تشبيه علاقتهم بـ“المهاجرين غير الشرعيين”. كما استُخدم توقيع ترامب الشهير على منصة “تروث سوشيال” في قالب رومانسي ساخر، في مزج لافت بين الخطاب السياسي والرسائل الشخصية. وحتى طموحه المثير للجدل بشأن غرينلاند حضر في إحدى البطاقات، حيث وُضعت الجزيرة داخل قلب مع عبارة “حان الوقت لنحدّد وضع علاقتنا”.

ق د يكون السبب بسيطًا: الجمهور عاوز كده، وزمن القراءة المتأنية تراجع، ليحلّ مكانه عصر التمرير السريع والمشاهدة الخاطفة. وفي هذا السياق، تصبح النكتة وسيلة فعّالة لجذب الانتباه وترسيخ صورة وربما يومًا… لكتابة التاريخ.

من المعروف أن الكوميديا تتمتّع بثلاث ميزات أساسية:
الانتشار السريع
القدرة على التبسيط
منح صاحبها هامشًا من المناورة، إذ يمكن دائمًا وصف الرسالة بأنها “مزاح” إن اشتدّ النقد.
وهكذا، تتحوّل السخرية إلى درع وسلاح في آن واحد.

غير أن هذا المسار يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى سيبقى النقاش عميقًا في ظل هيمنة الصورة الساخرة؟
أنصار هذا النهج يرون فيه تواصلًا ذكيًا مع جمهور العصر الرقمي، بينما يعتبره منتقدوه تسطيحًا لقضايا أساسية.
لكن المؤكد أن قواعد اللعبة تغيّرت. لم يعد الأقوى هو من يملك البيان الأطول، بل من يصنع الصورة الأكثر تداولًا.
وبذلك تكون المنصات قد كرّست معادلة سياسية جديدة: النكتة أداة نفوذ حقيقية… وأحيانًا أقوى من البيان الرسمي ذاته.
