في ليلة رأس السنة من عام 1977، كان قصر المرمر في طهران يعجّ بالاحتفالات. رفع الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر كأس الشمبانيا إلى محمد رضا بهلوي، شاه إيران الذي حكم البلاد منذ سبعة وثلاثين عامًا، في لقاء بُثّ مباشرة على التلفزيون الإيراني احتفاءً بالصداقة الإيرانية-الأميركية. لم يكن أيٌّ من الزعيمين يدرك أن تلك العلاقة الوثيقة ستنهار قريبًا، وأن النظام الذي بدا آنذاك راسخًا سيواجه بعد أشهر قليلة واحدة من أكبر التحولات السياسية في تاريخ إيران الحديث.

الرئيس الأميركي جيمي كارتر إلى جانب شاه إيران محمد رضا بهلوي في طهران، 31 كانون الأول/ديسمبر 1977.
فبعد أقل من عام، وتحديدًا في 16 كانون الثاني/يناير 1979، انهارت ملكية بهلوي تحت ضغط الثورة الإسلامية التي قادها آية الله روح الله الخميني، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة في إيران استمرت لأكثر من أربعة عقود. واليوم، ومع التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السياسي الإيراني، عاد اسم عائلة بهلوي إلى الواجهة مجددًا، وسط تكهنات حول احتمال عودة رضا بهلوي، الابن الأكبر للشاه، إلى الحياة السياسية الإيرانية.
نهاية الملكية وبداية المنفى
مع اشتداد الثورة واحتدام الاحتجاجات، اضطر الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يعاني من سرطان عضال، إلى مغادرة إيران. وفي صباح أحد أيام كانون الثاني/يناير 1979، يروى أنه أمضى ساعات في مكتبه يجري اتصالات هاتفية، قبل أن يغادر البلاد مع زوجته الإمبراطورة فرح ديبا وأبنائه على متن طائرة متجهة إلى مصر.
في ذلك اليوم، تصدّر عنوان واحد الصفحة الأولى لصحيفة اطلاعات الإيرانية: «شاه رفت» – أي «الملك رحل».
بدأت بعدها رحلة المنفى الطويلة. تنقلت العائلة الإمبراطورية بين جزر البهاما والولايات المتحدة، قبل أن تستقر لفترة في مصر. لكن سقوط العرش لم يكن مجرد نهاية حكمٍ دام عقودًا، بل بداية سلسلة من المآسي التي ستلاحق العائلة.
في 27 تموز/يوليو 1980، توفي الشاه في القاهرة عن عمر 60 عامًا بعد صراع مع نوع نادر من سرطان الدم، لتدخل العائلة فصلًا جديدًا من حياتها بعيدًا عن الوطن.
سنوات المجد قبل السقوط

رضا بهلوي، فرح ديبا، فرحناز، علي رضا وليلى، في 1 أيار/مايو 1976.
قبل عقدين من سقوطه، بدا مستقبل الشاه أكثر إشراقًا. ففي عام 1959، رُزق بابنه الأول رضا من زوجته الثالثة فرح ديبا، الطالبة الإيرانية التي التقاها في باريس والتي تصغره بعشرين عامًا. جاء هذا الابن ليكون وليًا للعهد بعد زواجين سابقين لم يكتبا للشاه الاستقرار.
لاحقًا رُزقت العائلة بثلاثة أبناء آخرين: فرحناز (1963)، علي رضا (1966)، وليلى (1970).
عاشت العائلة سنوات من الرفاهية والترف، بين المنتجعات الأوروبية الفاخرة وسواحل بحر قزوين، في وقت كانت فيه إيران تبدو دولة مستقرة وقوية.
لكن تلك الحياة الهادئة انهارت بسرعة مع الثورة، لتبدأ سنوات الشتات.
حياة جديدة في المنفى
بعد وفاة الشاه، تفرقت العائلة. استقرت الإمبراطورة فرح في باريس حيث تعيش حتى اليوم، بينما توجه أبناؤها إلى الولايات المتحدة برفقة جدتهم.
الابن الأكبر رضا بهلوي، الذي كان يتلقى تدريبًا كطيار مقاتل في قاعدة ريس الجوية بولاية تكساس وقت اندلاع الثورة، التحق لاحقًا بجامعة كارولاينا الجنوبية ودرس العلوم السياسية.
أما شقيقته فرحناز، التي كانت في السادسة عشرة من عمرها، فتابعت دراستها في كلية بينينغتون بولاية فيرمونت، ثم حصلت عام 1990 على درجة الماجستير في علم نفس الطفل.
مأساة الأميرة ليلى
لكن أصغر أفراد العائلة، الأميرة ليلى، كانت الأكثر تأثرًا بالمنفى. فقدت والدها وهي لم تتجاوز العاشرة، وعاشت طفولتها متنقلة بين مدن عدة.
ورغم نجاحها في دراستها والتحاقها بجامعة براون في الولايات المتحدة، إضافة إلى عملها في مجال عرض الأزياء مع دار فالنتينو الإيطالية، فإنها عانت من اضطرابات نفسية شديدة، بينها الاكتئاب وفقدان الشهية.
في 10 حزيران/يونيو 2001، وُجدت الأميرة ليلى متوفاة في غرفة فندق بلندن بعد تناول جرعة كبيرة من دواء مهدئ. كانت في الحادية والثلاثين من عمرها.
دُفنت لاحقًا في مقبرة باسي في باريس، حيث نُقشت على شاهد قبرها عبارة مؤثرة:
«في الحديقة قرب الورود كتبوا: الرجاء عدم قطف الزهور… لكن الريح لا تعرف القراءة».

فرح ديبا وليلى في أمستردام في 31 يناير/ كانون الثاني
المأساة تتكرّر: انتحار علي رضا
لم تكن تلك المأساة الأخيرة. فبعد عشر سنوات، أنهى شقيقها الأمير علي رضا بهلوي حياته في منزله بمدينة بوسطن عام 2011 عن عمر 44 عامًا.
كان علي رضا مثقفًا بارزًا درس في برينستون وكولومبيا وهارفارد، متخصصًا في تاريخ الحضارات الإيرانية القديمة. لكنه ظل يعاني من آثار المنفى وفقدان والده وشقيقته.
بعد وفاته، قال شقيقه الأكبر رضا بهلوي:
«كان مثل ملايين الشباب الإيرانيين يشعر بعمق بمعاناة وطنه، ويحمل أيضًا عبء فقدان والده وأخته».

فرح بهلوي وابنها علي رضا في قصر فينييلور في منطقة فار بفرنسا، 20 آب/أغسطس 1985.
وداع على شاطئ بحر قزوين
بعد وفاته، نفذت العائلة وصيته الأخيرة. توجهت والدته فرح بهلوي مع أبنائها إلى شواطئ بحر قزوين، حيث نُثرت رماده في البحر.
وقفت الإمبراطورة السابقة ممسكة بجرّة الرماد، بينما كانت الرياح تحملها نحو الأفق.
وكما كتب الشاعر الفرنسي آرثر رامبو:
«الأبدية… هي البحر الممتد، مع الشمس».
الصور والمقال عن: madame figaro
