دخلت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول، مرحلة جديدة من التصعيد، مع تنظيم ثالث يوم تعبئة وطنية منذ انطلاق الحركة في منتصف سبتمبر، وسط مشاركة واسعة لطلاب المدارس والمعلمين وأولياء الأمور، وانضمام طلاب جامعيين ونقابات إلى التحركات في عدد من المدن.
وتزامنت الاحتجاجات مع إغلاق أو تعطيل مئات المؤسسات التعليمية، فيما انتشرت قوات الشرطة والدرك بأعداد كبيرة في أنحاء البلاد تحسبًا لوقوع مواجهات وأعمال تخريب، بعد أيام شهدت توترًا واعتقالات وإصابات.
وبحسب وزارة الداخلية الفرنسية، شارك نحو 86 ألف شخص في التحركات التي جرت خارج باريس خلال ساعات الصباح، فيما كانت العاصمة تستعد لمسيرة رئيسي ة بعد الظهر. في المقابل، أعلنت نقابة الاتحاد العام للعمل «CGT» أن عدد المشاركين في التظاهرات، باستثناء باريس، تجاوز 260 ألفًا حتى منتصف النهار، ما يعكس الفارق الكبير بين تقديرات السلطات والمنظمين.
891 مؤسسة تعليمية متضررة
وأعلنت وزارة التعليم الفرنسية أن الدروس توقفت كليًا أو جزئيًا في 891 مؤسسة تعليمية الثلاثاء، من أصل نحو 3700 مدرسة ثانوية في البلاد، بينها 250 مؤسسة في منطقة إيل دو فرانس المحيطة بباريس.
في المقابل، قالت «الاتحاد النقابي لطلاب المدارس الثانوية» إن عدد المؤسسات التي شهدت تحركات أو إغلاقات بلغ نحو 1800، بينما أعلن «الاتحاد الطلابي» وجود تحركات في 57 موقعًا جامعيًا، وهي أرقام صادرة عن الجهات المنظمة ولا تمثل إحصاءات حكومية مستقلة.
وشهدت عدة مدن فرنسية، بينها باريس ومرسيليا وليون وستراسبورغ وتولوز ورين ونيم وليل، مسيرات وعمليات إغلاق لمؤسسات تعليمية.
وفي باريس، انضمت مجموعات من طلاب الجامعات إلى تحركات طلاب المدارس الثانوية، فيما شهدت مؤسسات للتعليم العالي، بينها السوربون، تحركات وإغلاقات.
من المدارس إلى الجامعات ويتمثل أحد أبرز التطورات في اتساع الحركة خارج المدارس الثانوية ووصولها إلى الجامعات.
ففي العاصمة، خرج طلاب جامعيون في مسيرات تضامنية مع طلاب المدارس، بينما شهدت جامعات ومؤسسات تعليم عالٍ تحركات وعمليات إغلاق.
ويرى منظمو الاحتجاجات أن المشاكل التي يواجهها طلاب المدارس ليست منفصلة عن واقع التعليم العالي، خصوصًا في ما يتعلق بنقص الموارد والضغط الدراسي ومستقبل الطلاب وفرص الالتحاق بالجامعات.
لماذا يحتج الطلاب؟
تتركز مطالب المحتجين على مجموعة من القضايا المرتبطة بظروف الدراسة ومستقبل الطلاب.
ويطالب الطلاب بزيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتوفير عدد كافٍ من المدرسين، وتحسين أوضاع المباني والتجهيزات، وتقليل اكتظاظ الفصول الدراسية، إضافة إلى مراجعة تنظيم اليوم الدراسي الذي يقول كثير من الطلاب إنه مرهق وطويل.
كما تشكل منصة «باركورسوپ» للقبول الجامعي أحد أبرز مصادر القلق لدى الطلاب، إذ يطالب المحتجون بمزيد من الشفافية والوضوح في نظام التوجيه والقبول في التعليم العالي.
وتتجاوز المطالب الجوانب المادية أحيانًا، إذ يعبر عدد من الطلاب عن مخاوف مرتبطة بمستقبلهم الدراسي والمهني، وبالضغط المتزايد الذي يرافق الدراسة والامتحانات واختيار الم سار الجامعي.
الحكومة تفتح باب الحوار
في محاولة لاحتواء الغضب، فتحت وزارة التعليم الفرنسية، منذ 5 أكتوبر وحتى 23 أكتوبر، استشارة وطنية عبر منصة «أغورا»، دعت خلالها جميع طلاب المدارس الثانوية إلى عرض الصعوبات التي يواجهونها واقتراحاتهم لتحسين ظروف الدراسة.
وتقول الوزارة إن الهدف من الاستشارة هو الاستماع مباشرة إلى الطلاب، بما في ذلك الفئات التي لا تجد مساحة كافية للتعبير عن مطالبها، على أن تكون المساهمات المقدمة عبر المنصة مجهولة المصدر.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعي الحكومة لإظهار استعدادها للاستماع إلى الحركة الطلابية، بالتزامن مع تعهدات بإجراءات تتعلق باستبدال المدرسين الغائبين، وتحسين البنية التحتية للمدارس، ومواجهة ظروف الطقس الحار، ومراجعة تنظيم اليوم الدراسي، وزيادة شفافية «باركورسوپ».
لكن هذه الإجراءات لم توقف الاحتجاجات، التي يرى منظموها أن حجم المشكلات يتطلب قرارات وتمويلًا ملموسًا، وليس مجرد فتح باب للاستشارات.
الشرطة في مواجهة الاحتجاجات
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، ارتفع أيضًا مستوى التوتر بين المتظاهرين وقوات الأمن.
وشهدت بعض المدن مواجهات واس تخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع ووسائل تفريق الحشود، بينما مرت احتجاجات أخرى بصورة سلمية.
وفي ليون، وقعت مواجهات خلال محاولة الشرطة تفريق أشخاص ملثمين كانوا يعطلون حركة الترام، بينما سجلت مدن أخرى حوادث وأعمال تخريب على هامش التظاهرات.
وتقول السلطات إن انتشار قوات الأمن يهدف إلى منع أعمال العنف والتخريب وحماية المتظاهرين والممتلكات العامة والخاصة، في حين تنتقد جهات نقابية وحقوقية أسلوب التعامل الأمني مع المحتجين، ولا سيما القاصرين.
أكثر من 6 آلاف توقيف
ويكشف حجم الاعتقالات عن مستوى التوتر الذي رافق الحركة منذ انطلاقها.
وبحسب أرقام السلطات، جرى توقيف أكثر من 6 آلاف شخص منذ بداية الاحتجاجات، معظمهم من القاصرين، فيما سجلت إصابات بين الطلاب وأفراد الشرطة والعاملين في المؤسسات التعليمية.
وكانت إحدى أكثر الوقائع إثارة للجدل إصابة فتى يبلغ 15 عامًا بجروح خطيرة في مدينة لانس خلال تدخل أمني، في حادث لا تزال ملابساته محل متابعة وتحقيق.
كما أعلنت الحكومة إصابة عشرات العاملين في القطاع التعليمي ومئات من عناصر الشرطة والدرك والطلاب خلال فترة الاحتجاجات.
باريس تحت الرقابة
وفي العاصمة، فرضت السلطات انتشارًا أمنيًا واسعًا استعدادًا للمسيرة الرئيسية، التي كان متوقعًا أن تشهد مشاركة تتراوح بين عشرات الآلاف.
وفي الوقت نفسه، ظهرت مسيرات طلابية أصغر في باريس، شارك فيها طلاب جامعيون وطلاب مدارس، وسط شعارات تدعو إلى زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين ظروف الدراسة.
وتشير التحركات في العاصمة والمدن الأخرى إلى أن الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على إغلاق المدارس، بل تحولت إلى حركة أوسع تضم طلابًا ومدرسين وأولياء أمور ونقابات وطلاب جامعات.
أزمة تعليمية أم بداية حركة اجتماعية أوسع؟
وبينما بدأت الاحتجاجات بمطالب مرتبطة مباشرة بظروف التعليم، فإن اتساع المشاركة ودخول النقابات والجامعات على خط التحرك منح الحركة بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا أوسع.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية ضغوطًا اقتصادية وسياسية كبيرة، بينما تستعد البلاد للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
وتحاول الحكومة من جهة الاستجابة للمطالب التعليمية، ومن جهة أخرى منع تحول الاحتجاجات إلى موجة اضطرابات أوسع، خصوصًا في ظل أعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض التحركات.
وفي المقابل، يصر الطلاب والمن ظمات الداعمة لهم على مواصلة الضغط إلى حين الحصول على إجراءات ملموسة لتحسين ظروف الدراسة، مؤكدين أن المشكلة لا تتعلق بيوم احتجاج واحد، بل بما يعتبرونه أزمة متراكمة في قطاع التعليم.
وبذلك تتحول تعبئة 6 أكتوبر إلى اختبار مهم للحكومة الفرنسية: فإما أن تنجح إجراءات الحوار والوعود بالإصلاح في تهدئة الشارع، أو أن تستمر الحركة في التوسع من المدارس الثانوية إلى الجامعات والقطاعات النقابية، بما قد يجعل الملف التعليمي واحدًا من أبرز الملفات الاجتماعية والسياسية في فرنسا خلال المرحلة المقبلة.