"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

أحدث إبداعات كميل شمعون جونيور: إنسانية إسرائيل في لبنان

كريستين نمر
الجمعة، 20 مارس 2026

أحدث إبداعات كميل شمعون جونيور: إنسانية إسرائيل في لبنان

أن يعبّر النائب كميل دوري شمعون عن إعجابه بما وصفه “إنسانية” الجيش الإسرائيلي في توجيه إنذارات قبل القصف بهدف حماية المدنيين، فهذا موقف يخصّه، ولا يستدعي الانزلاق إلى خطاب التخوين، لأن أدبياتي لا تسمح بتصنيف الناس، ولأن هناك من كفّى ووفّى ممن اعتاد إجراء “تحليل دم” لكل من يخالفه الرأي، ليتبعه فورًا “تحليل قتل”. غير أنّ ما يثير الأسف فعلًا، هو هذا التبسيط الفادح لمفهوم معقّد كـ“الإنسانية في الحرب”، واختزاله إلى مجرّد إجراء واحد، بمعزل عن الإطار القانوني الأشمل.

وكان شمعون في مقابلة له على إحدى القنوات التلفزيونية، قد هنّأ “الجيش الإسرائيلي على إنسانيته” قائلًا: “إنه الجيش الوحيد اللّي شفته بحياتي بيعطي علم وخبر للمنطقة يلي بدّه يقصفها وبيطلب إخلاء المدنيّين، يعني عنجد ما حدا بيعملها بالحروب”.

ولكن حيال هذا الكلام، هل لنائبنا الموقّر أي فكرة حول الاتفاقيات التي ترعى الحروب؟

فـاتفاقيات جنيف، يا “سعادة” النائب، التي تشكّل العمود الفقري للقانون الدولي الإنساني، لا تمنح أي معتدٍ صكّ “إنسانية” لمجرد توجيه إنذار. بل تفرض منظومة متكاملة من القواعد، تقوم على حماية المدنيين، والتمييز الصارم بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية، واحترام مبدأ التناسب في استخدام القوة. وبالتالي، فإن حصر هذا المفهوم بسلوك واحد، أيًّا كان، لا يعدو كونه تبسيطًا يقترب من التضليل أكثر مما يعكس فهمًا دقيقًا.

طبعًا، لا تقع مسؤولية حماية المدنيين على عاتق الطرف المعتدي وحده، بل يتحمّلها أيضًا كل من اتخذ قرار الانخراط في الحرب، خصوصًا حين يُتخذ هذا القرار خارج إطار الدولة ومؤسساتها، وتحت عناوين وأجندات خارجية، لا تضع سلامة الناس في مقدّمة الأولويات.

وفي هذا السياق، يشدّد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، على أن “مسؤولية حماية المدنيين هي مسؤولية مشتركة تقع على جميع أطراف النزاع، سواء من يشنّ الهجوم أو من يقرّر خوض الحرب، فـلا يجوز تعريض المدنيين للخطر، ولا استخدامهم كغطاء أو كلفة جانبية لصراعات عسكرية أو إقليمية”، كما ينص.

لكن الإشكالية لا تقف عند حدود المعرفة القانونية. فمثل هذا التصريح يفتح بابًا أوسع حول مستوى الخطاب السياسي في لبنان، ومدى قدرة بعض المسؤولين على مقاربة قضايا حساسة بهذا الحجم من المسؤولية والدقّة. إذ إن الإشادة بسلوك عسكري لجهة، في حالة عداء ونزاع مباشر مع لبنان، يطرح علامات استفهام حول معايير التقييم.

في العمق، تكمن المشكلة في بنية النظام السياسي اللبناني نفسه، حيث لا تزال الوراثة السياسية تلعب دورًا حاسمًا في إنتاج النخب. فغالبًا ما يتقدّم اسم العائلة على الكفاءة، ويُمنح الموقع على أساس الانتماء لا الجدارة، ما يفضي إلى إعادة إنتاج طبقة سياسية بعيدة عن المعايير التي يفترض أن تحكم العمل العام.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: إلى متى سيبقى اللبنانيون أسرى هذا الإرث؟ وإلى متى سيُختزل التمثيل السياسي بأسماء موروثة لا بسِيَرٍٍ ذاتية قائمة على الكفاءة والخبرة؟

وطالما أنّ “لعنة الإرث السياسي” ستبقى تلاحقنا، فليكن الحدّ الأدنى من الجدارة شرطًًا لأي ظهور، أمّا إذا تعذّر ذلك، فربما يكون الخيار الأجدى، أن تأخذوا المنصب وتعيرونا سكوتكم.

المقال السابق
شخصيات بارزة في ايران ولبنان على قائمة الاغتيالات الاسرائيلية
كريستين نمر

كريستين نمر

محرّرة وكاتبة

مقالات ذات صلة

الأمهات المتلاعبات: عبارات قد تترك أثرًا عميقًا... كيف التحرّر منها؟

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية